الواجهة » الإمام الرضا » ادبياته » خواطروذكريات
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   خريطة الموقع
   قاموس مصطلحات الموقع
   بطاقات إسلامية
   شاهد سجل الزوار
   وقّع في سجل الزوار
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   سؤال وجواب
   مدينة للصغار
   أشواق ملوّنة
   ألبوم الذكريات
   001
   بحث في الموقع


عندما قبّلتُ العتبة
ذهبنا إلى مشهد: أنا وأختي وزوجها وابنتهما ليلى.
تحرّكنا في حدود الساعة 30/6 عصراً. وكنت قد سمعت أنّ في طريق مشهد مناظر جميلة، وكنت أنتظر أن أراها. لكن من سوء حظي أنّا قد قطعنا الطريق في الليل.
وصلنا إلى مشهد حوالَي الساعة 6 صباحاً. نزلنا من السيارة الكبيرة وركبنا سيارة تاكسي لتوصلنا إلى فندق (حسين آقا) الذي كان معنا عنوانه. ولمّا وصلنا إليه وجدنا أن كل غرفهِ ممتلئة بالزوّار.. لكنهم في الفندق عرضوا علينا غرفة غير جيدة، نوافذها بدون زجاج.. فلم نوافق . ومشينا في السوق لا ندري أين نذهب، حتى دلّنا شخص على فندق آخر، فنزلنا فيه.
في الساعة 2 بعد ظهر نفس اليوم مشينا باتجاه الحرم للزيارة. كان قلبي يطير من الفرح. وشعرتُ حينما دخلنا الحرم كأنّ روحي تحرّرت من القفص، لأني ما كنت أصدّق أني أقدر أن أجيء لزيارة الإمام الرضا عليه السّلام. وعندما وصلنا إلى الحرم بقيتُ أنا مع أختي، وسيد محسن زوج أختي أخذ ليلى إلى داخل الحرم للزيارة.. ثم رجع.
وذهبت أنا. رأيت الحرم كثير الازدحام بالناس. إذا أدخل فقد أُداس في هذا الازدحام لكنّي لم أهتمّ بهذا، وتقدّمت. مددتُ ذراعَيّ إلى الإمام أحاول أن أجد طريقاً لي في وسط الازدحام. وفي تلك اللحظة وجدت طريقاً مفتوحاً، فتقدمت إلى الإمام. زرت ثم رجعت.. حتّى أنّ سيّد محسن قد تعجّب! عدّة أيّام كنت أذهب للزيارة والصلاة بهذه الصورة.
كانت الأيّام الأخيرة من وجودنا في مشهد. في آخر مرة ذهبت إلى الحرم للزيارة.. رأيت الناس يقبّلون العتبة أولاً. فكرّتُ أن أفعل مثلهم.. لكن اعتدادي بنفسي لم يسمح لي بذلك، فدخلت مباشرةً لأزور.. لكنّي مهما حاولت أن أزور ما قدرت، فوقفتُ على جانب وأخذتُ أنظر إلى الناس. في تلك الحال وقع نظري على رجل كبير السن يحاول أن يجد له طريقاً للزيارة بين جموع الناس، غير أنّه ما قدر.. وأخذ يبكي. وبرجاء طلب من الناس أن يفسحوا له طريقاً ليزور الإمام زيارة الوداع. احترق قلبي له، فتقدّمت وأردت أن أُقيمه من مكانه فما استطعت. وفي المرة الثانية قلت: «أيها الإمام الرضا» وقدرت أن أُقيمه.. فزار ومسح يده على الضريح. أنا نفسي تعجّبت: كيف أني ما قدرت في المرة الأولى أن أقيم الرجل المسنّ من مكانه! ونسيت أن أزور فرجعت. ثمّ تذكّرت أني ما زُرتُ، فعُدتُ إلى داخل الحرم. وعند الباب.. رأيت هذا الرجل نفسه يقبّل الأرض ثم نهض وذهب.
امتلأت عيني بالدموع، ونسيت كل شيء. وقعتُ أُقبّل العبتة وأنا أخاطب الإمام. طلبتُ منه أن لا يجعلني في حاجة إلى أحد، وأن يعطيني قدرة اُساعد بها الآخرين. ولمّا انتهبتُ على نفسي رأيت سيد محسن قد جاء قريباً مني وهو يقول: لماذا لا تأتي ؟! ومرةً أخرى نسيتُ الزيارة.
لكننا لم نحصل على بطاقة سفر للعودة بالسيارة، فرجعت مجدّداً إلى الزيارة. وهناك.. حَلَلتُ قطعة قماش صغيرة خضراء كانت أمي قد ربطتها حول يدي، وربطتُها بالضريح.. ورجعت.
بعد ظهر ذلك اليوم رجعنا إلى قم. لا أدري ماذا أقول.. لكنّي كنت مشتاقاً جداً للزيارة. أرجو الله أن يرزقني زيارة الإمام الرضا عليه السّلام من جديد، لأُعيد تلك القطعة من القماش الأخضر إلى يدي.

رستم النجفي، 14 سنة ـ من قمّ
عن كتاب: خواطر الزيارة ص 22 ـ 23. نشر: مؤسسة التنمية الفكرية للأطفال واليافعين


البالون الأحمر
دقيقاً كان عمري 7 سنوات عندما ذهبنا لزيارة الإمام الرضا.
بعد الزيارة ذهبت أنا وأمي إلى السوق للاطلاع والشراء. اشترت أمي لي بالوناً أحمر. السوق مزدحم جداً، وكما يقولون: لا يوجد فيه حتى موضع إبرة. أمسكت البالون بيد، وباليد الأخرى ـ على ما أظن ـ أمسكتُ عباءة أمي.
كنت أنظر إلى الناس والسوق، فرأيت لعبة جميلة. أردت أن أقول لأمي شيئاً، فوجدت أنّ يدي ممسكة بثياب رجل لا أعرفه! بكيت، فقال لي الرجل:
ـ ماذا بك ؟
قلت:
ـ أمي.. أمي ضاعت!
قال:
ـ تعالي آخذك إلى الشرطة.
والواقع أني كنت أخاف من الشرطة، ولذلك لم أذهب معه. وخلال الازدحام انفصلت عن الرجل. والآن كيف أذهب إلى الفندق الذي ننزل فيه ؟!
عدّة ساعات كنت ضائعة، وفجأة رأيت شرطياً. خِفت.. وانزويت في زاوية البالون الأحمر، لَفت نظر الشرطي إليّ. جاء الشرطي، فقلت له بخوف:
ـ سَـ.. سَـ.. سلام. واللهِ ما عملتُ شيئاً!
قال الشرطي:
ـ ابنتي.. ما اسمك ؟
قلت:
ـ زهراء.
قال: ما دام بالونك أحمر فالعلامة صحيحة، تعالي آخذك إلى أمّك.
ولمّا وصلنا إلى الفندق ورأيت أمي.. بكيت. بعدها عرفت أن أهلي كانوا قد ذكروا أوصافي للشرطة. ومنذ ذلك الوقت كتب أبي العنوان على ورقة وأعطاه لي وقال:
ـ ما دُمنا في مشهد فاجعلي هذا العنوان معك حتّى لا تَضيعي.

زهراء بيكي، 14 سنة ـ نجف آباد (إصفهان)
عن كتاب: خواطر الزيارة ص 77. نشر: مؤسسة التنمية الفكرية للأطفال واليافعين


لا أدري لماذا بكيت
فجأةً.. حدث بين الركّاب هَيَجان عجيب. القطار يخترق الصحراء، ويمضي مُسرِعاً إلى الإمام، ولم يَقِرّ للركّاب قرار. لقد بَدَت القبّة الذهبية ومنارات حَرَم الإمام الرضا عليه السّلام ـ مأوى غُرَباء العالم ـ تتلألأ تحت أشعة الشمس، وانشدّت إليها عيون المسافرين الدامعة. القلوب المشتاقة التي كانت تنتظر الوصول أخذت تَخفِق، والأرواح الهائجة تكاد تطير. كانت الصلوات على محمّد وآل محمّد تنطلق من أفواه المسافرين المتعَبين بين الوقت والآخَر، وأنظارهم جميعاً متّجهة إلى اتجاه واحد.
بعد 16 ساعة من الانتظار وتَطلُّع العيون طيلة الطريق.. بدأ القطار يقلّل من سرعته بالتدريج. وبانطلاق صوت بوق ممتدّ أعلن القطار عن الوصول إلى محطة سكّة حديد خراسان.
كان عمري 8 سنوات. كنت واقفاً إلى جنب زجاجة إحدى نوافذ القطار لا أتحرّك، وأنا أنظر إلى المسافرين المشتاقين وهم يستعدّون للنزول. قبل هذه السفرة كنت قد رأيت عدّة مرات وصول القطار إلى المحطة الأخيرة في سفراتي مع أهلي إلى الأهواز في الجنوب.. لكنّ هذا الشوق والإيمان الذي أراه الآن عند وصولنا إلى مشهد هو شيء جديد علَيّ.
هذه هي المرة الأولى التي أسافر فيها إلى مشهد مستثمراً أيّام العطلة الربيعية، وها أنا أرى لأول مرة هذه المدينة التي كنت أتمنّى زيارتها من قبل.
ما زلتُ أُفكّر في المنظر الجذّاب الذي شاهدتُه قبل ساعات: كان الجوّ مظلماً، ولا تُسمَع أصوات من داخل القطار، كلٌّ من المسافرين كان مستلقياً في مكانه، وما هناك إلاّ الصوت الرتيب لاحتكاك عربات القطار ببعضها عند نقطة اتصالها. ولم يكن هذا الصوت مُزعجاً للمسافرين المتعَبين، فانّهم أشدّ تَعَباً من أن يمنع هذا الصوت نومَهم.
في مسافات معيّنة.. كان القطار يتوقف فترة قصيرة في المحطات الصغيرة، ثمّ يُجدِّد مسيره بعد عدّة دقائق. في إحدى المحطات لمّا توقف القطار ـ خلال الظلام ـ ارتفعت أصوات متفرقة في الممرّ إلى جانب غُرف المسافرين: صلاة. هذا وقت الصلاة. أسرعوا. ليس لدينا وقت. صلاة صلاة.
المسافرون المتعَبون المستغرقون في نوم عميق.. نهضوا بسرعة بدون اعتراض على مَن قَطَعَ عليهم النوم اللذيذ. شَمَّر كلّ منهم عن ذراعيه، ومضى سريعاً ينزل من القطار. وما هي إلاّ دقيقة واحدة.. حتّى كان عدد كبير من المسافرين قد تجمّعوا حول حوض ماء كبير في المحطة. توضّأوا كلّهم كباراً وصغاراً، ثمّ صلّوا صلاةَ الصبح على رمل المحطة البارد.
هذا كلّه كان بالنسبة لي ـ أنا الذي لم أكن قد رأيت منظراً مثل هذا ـ مدهشاً جداً ومثيراً ومحبوباً لي. في تلك اللحظة رأيتُني أخرج من الممرّ بين الغرف، وأقف في ناحية أتطلّع إلى المصلّين، وقد ذُهِلتُ عن نفسي.. وهم واقفون بين يدَي الله يدعون ويتضرّعون.

* * *

توقَّفَ القطار على مهل أمام باب القاعة الكبيرة في محطة سكّة حديد خرسان، وأخذ المسافرون ينزلون من القطار وهم يتسابقون في النزول.. واتّجهوا كالسَّيل إلى البوّابات.
أمّا أنا ـ وقد كنتُ ذاهلاً أمامَ هذا المنظر المدهش ـ فقد صَحبني أبي وأنزلني من القطار أيضاً. وما أن وضعتُ قدمي على أرض المحطة المفروشة بالحجر حتّى قلت لأبي:
ـ بابا.. هل نذهب الآن إلى الحرم ؟
نظر إليّ بمحبة، وهو يحمل الحقيبة الكبيرة، وقال:
ـ نذهب، أسرِع يا ولدي. نذهب أولاً إلى الفندق ونأخذ غرفة، ثمّ نتشرّف بالذهاب إلى الحرم.
لم أكن أريد أن أنتظر لحظة واحدة، لكني اضطُررت لسماع كلام أبي.

* * *

في الليل.. ارتفع فجأةً صوتُ الأذان. كان صوتاً يُناغي الروح لذيذاً، ملأ ما حول الحرم. صوت دافئ كلّه حبّ وحنان.. وكأنما هو صوت ملائكة في السماء يُنشدون نشيد التوحيد، وهم يَدْعون المُحبِّين المُصلِّين للتحدّث مع الله مرة أخرى.
داعَبَت يدٌ حنون وجهي:
ـ حسين.. انهضْ، نريد أن نذهب إلى الحرم.
وعلى خلاف عادتي كلّ يوم حين أقوم من الفراش بإلحاحٍ شديد من أبي.. نهضتُ بسرعة، وقلت وأنا أفرك عيني بيدي:
ـ بابا.. أليس الوقت الآن مُبكِّراً ؟! هل باب الحرم مفتوح الآن ؟! هل نستطيع الذهاب إلى الحرم في هذا الوقت من الليل ؟!
ابتسم أبي، وقد تهيّأ للذهاب.. وقال:
ـ نعم يا عزيزي، إنّ حرم الإمام الرضا عليه السّلام ـ وهو إمام المسلمين ومنتهى آمال البائسين والطالبين ـ لا يُغلَق في أيّ وقت. إنّ هذا الحرم لا يستطيع أحد أن يمنع الناس من الذهاب إليه. إنّ كلّ إنسان من أيّ بلد كان يقدر ليلاً ونهاراً أن يدخل إليه. دون أن يحتاج إلى إذن من أحد، وبإمكانه أن يظلّ فيه إلى أيّ وقت يشاء.
كنتُ منذ أمس في حالة روحية عجيبة. من هنا كنت أعدّ الدقائق لزيارة حرم الإمام عليه السّلام. وبدون أن أنطق بحرف.. بدأت أرتدي ثيابي، وذهبت مع أبي إلى الحرم.

* * *

الجو الروحاني في عتبة الإمام الرضا عليه السّلام.. مُضاءٌ بأنوار بيضاء حَوّلت الليلَ إلى نهار. كأنّ شمساً تتلألأ في وسط الصحن.
حَمامات الحرم تَخفِق بأجنحتها وهي تتنقّل من مكان إلى مكان، وتظلّ تحلّق بين الناس، وكأنّ علاقة صداقة ومعرفة تجمعها بهم منذ سنوات. الناس يُعاملون هذه الحمامات بمحبّة ومَودّة ويقدّمون لها حبوبَ القمح. ويظلّ الحرم في بحر من النور والضياء، وكأنّه شمعة كبيرة متوقّدة تجتذب إليها الفراشات الوالهة، فتدور بشوقٍ طافح حول وجود الإمام عليه السّلام دون أن تهتمّ للزمن الذي يمرّ. كأنّ الناس يقبّلون يد الإمام وجبينه حين يتبرّكون بلمس وتقبيل الضريح. الجو كلّه عظَمة وجلال ووقار.
وكان هذا كلّه ـ وأنا أُجرّبه لأول مرة ـ مصدرَ محبة وإعجاب. وجوه الزائرين الذين تركوا النوم في هذا الليل وقَصَدوا العتبة الطاهرة بقلوب مِلؤها الأمل والمسرّة.. كانت مغمورة بالنور والصفاء، وكانت مناجاتهم في هذه الساعة أحلى مناجاة. رائحة العطر وماء الورد تملأ الصحن وأنحاء الحرم، وتنبعث الأصوات الخاشعة التي كانت تتوجّه إلى الإمام الرضا عليه السّلام بالقراءة في كتاب الزيارة بصوتٍ مسموع.
أنا أيضاً كنت وسط الزائرين حول الضريح الطاهر. كنت أحاول أن أكون مثلهم.. لكنّي ـ مع ذلك ـ كنت بينهم كالغريب. لم أقدر أن أُحسّ بالتوجّه القلبي في روحانية الحرم. حاولت أن أجعل إحساسي يَخِفّ.. حتّى أصير كفراشة تطير بشوق حول شمعة وجود الإمام عليه السّلام. وذهبت إلى زاوية هناك.. حيث يقوم محراب صغير نُقِشَت عليه أبيات شعرية جميلة بخطّ رائع. وهناك وقفتُ مُستقبِلَ الضريح، ورُحتُ أتطلّع إلى وجوه الزائرين. كانوا يَموجون بمشاعر روحانية ومعنوية عالية، وكانت هذه المشاعر تزداد لحظةً بعد لحظة.
مرة أخرى.. شعرت بشعور الغريب.. ووجدتُ نفسي وحيداً بين هذا الجمع. أردتُ أن أكون بين الزوّار بقلبٍ صافٍ خالٍ من الرياء والشك.. فأطلب من الإمام عليه السّلام أن يساعدني، لكني لم أقدر. وبدون إرادتي سقطت قطراتُ دمع عيني على خدّي. بكيت.. لكني لا أدري لماذا بكيت. أحسستُ أن وجودي كلّه بدأ يتحرّك، وأخذ قلبي يدقّ بقوّة فجأةً شعرتُ أن أحداً يهزّ كتفي. التَفتُّ فرأيتُ أبي ينظر إليّ بمحبة وهو يضع يده على كتفي بلطف:
ـ ولدي حسين، تعالَ نزور الإمام عليه السّلام.

* * *

وعلى أيّ حال.. حان موعد رجوعنا. في ذلك اليوم ذهبت إلى الحرم لوداع الإمام في آخر زيارة. كانت حالتي لا تُوصَف، وأحاسيسي متدفّقة هائجة.
لم يكن لديّ وقت كثير، يجب أن أرجع بعد قليل. لكني ما كنت أقدر على ترك هذا المكان المقدس. كأنّ قوةً جاذبة قوية تَشدُّني إلى الحرم مثل المغناطيس، وتجعلني لا أُفارق هذا المكان. لا أدري كم مَرّ من الوقت. ربّما جرَّبَ كلُّ الناس حالة وداع شخص عزيز حبيب كم هي صعبة. أخيراً.. عزمتُ على الرجوع. ومرةً أخرى سلّمتُ من عُمق وجودي على الإمام العظيم.
بعد ساعة.. كنت في القطار. وما هي إلاّ لحظات حتّى تحرّك من مشهد في طريقه إلى طهران. محطة مشهد مزدحمة بالناس، وما تزال عبارات التوديع والتوصيات تنبعث من راكبي القطار. وبعد أن أصدر القطار صوت بوقه المديد.. بدأ بالحركة. المسافرون الواقفون عند النوافذ يُلوِّحون بأيديهم.. وهم يُودِّعون معارفهم وأصدقاءهم الذين جاءوا لوداعهم.
أمّا أنا وأبي.. فما جاء أحد لوداعنا؛ لأنّه ليس لنا في مشهد أهل وأصدقاء، وكانت هذه فرصة طيّبة لي لأُجدِّدَ عهداً بتلك الحالات الروحية الغامرة، وأُودّع الإمام.
القطار يبتعد بالتدريج عن محطة مشهد. قبّة الإمام الرضا عليه السّلام الذهبية والمنارات تلتمع في هذا الليل كالشمس. وها هي ماثلة بكلّ هذه العظمة الباقية وهذا الجلال الخالد.. وهي تنثر الأنوار على مدينة مشهد.
كنتُ ألتهب بنار داخلية مجهولة، وأحاول ما استطعتُ أن أتزوّد من النظر إلى القبّة ومنارات الحرم، وكنت أبعث إليها بقُبلة في الهواء. حتّى إذا بدأت القبة والمنارات تختفي خلال انعطافات الطريق.. جلستُ على الكرسي، وكان فرح كبير يملأ روحي وقلبي. وكنت ـ في صمتي ـ في مهرجانٍ روحي جميل تغمره معنوية الإمام الرضا عليه السّلام.

حسين تسليمي ـ 12 سنة، طهران
من كتاب: خواطر الزيارة ص 1 ـ 47، نشر: مؤسسة التنمية الفكرية للأطفال واليافعين.


أعِد لي ابنتي!
عندما رجعت إلى الدار بعد مراسم عزاء الإمام الحسين عليه السّلام.. قالت لي زوجتي:
ـ ابنتنا مريضة، وحالتها ليست على ما يرام.
كنتُ متعباً ففضّلت الاستراحة قليلاً، ثمّ آخذها إلى الطبيب. وما مرّتَ إلاّ عدّة دقائق حتّى سمعت زوجتي تصرخ وتصيح:
ـ ابنتنا ماتت!
لم أُصدق.. وأسرعت إلى حيث كانت ابنتي. فر.يتها وقد ابيضّت عيناها، وانقطع نَفَسُها. اضطربتُ اضطراباً شديداً، ورحت ألعن نفسي: لماذا لم أُسرع في أخذها إلى الطبيب ؟! ولم أجد بُدّاً من حملها بسرعة لأُوصلها إلى المستشفى. وفي طريقي إلى المستشفى.. وقع نظري على قبّة الحرم وعلى المنارة.. وبدون إرادتي أخذت دموعي تجري، وخاطبتُ الإمام عليه السّلام بقلبي: إذا كنتُ قد قصرّتُ مع ابنتي فبسبب ذهابي إلى عزاء أبيك الحسين عليه السّلام.. أتوسّل إليك يا سيدي أن تُرجِع لي ابنتي. ولم أكد أدخل بناية المستشفى.. حتّى فَتَحتْ ابنتي عينها، وبدأت تتكلّم. لم أصدّق كلام الدكتور حين قال:
ـ البنت حالتها جيدة جداً.
وفحص المريضة مرةً أخرى، فكان جوابه نفسه: مطمئناً كلّ الأطمئنان.
كان هذا بالنسبة إلى زوجتي مصدر دهشة وحيرة لا توصف، بحيث إنها لم تقبل أن تخرج من المستشفى إلاّ بعد أن أخذت من الطبيب وصفة كتَبَ لها فيها أقراصاً مسكِّنة.

محمّد حسين الكاشاني
مجلّة الزائر، العدد 7، السنة 8 ، 1422 هـ / 2001 م ص 12


الزيارة غَسَلتني من الداخل
عندما ذهبت لأول مرة ـ بصحبة أبي وأمي وأخي ـ لزيارة الإمام الرضا عليه السّلام لم أدرِ لماذا أخذت دموعي تجري بدون إرادتي ولم أستطيع أن أتحمّل. وحينما قتربنا من الحرم صِرتُ في حالة أخرى، ووجدت أني لم أعُد كما كنتُ في السابق، بل كأني أصبحت إنسانة جديدة غير ( فاطمة ) القديمة.
وأدرك أبي ـ وكذلك أمّي ـ حالتي هذه.. لكنّ أخي لم يفطن للأمر الذي غيّر داخلي، فكان لا ينقطع عن السؤال:
ـ ماذا حَدَث ؟!
كنتُ سعيدة جداً؛ لأني تمكنت ـ مرةً واحدة على الأقلّ ـ أن أقترب من الضريح المقدس من بين الجموع الغفيرة للزائرين، واستطعت أن أمسك بالضريح وأن أقبّله بشوق كبير وبدموع منهمرة.
لن أنسى هذه الحالة المعنوية العالية التي شعرتُ أنّها غَسَلتني معنوياً من الداخل. وما زلت إلى الآن كلّما ذكرت تلك الزيارة أحسّ بدفء وحنان روحي في كلّ وجودي.

فاطمة الفضلي ـ بابُل
مجلّة الزائر، العدد 1، السنة 8 ، 1422 هـ / 2001 م ص 45


لماذا آذيتَ زائري ؟!
في سنة 1964م حينما كنتُ طالباً في المدرسة الثانوية.. ذهبت في يوم صيفي إلى الحرم الرضوي الشريف لمساعدة أبي الذي كان من خَدَمة الحرم.
كان الجو حاراً شديد الحرارة.. وعند حوض الماء الواقع في وسط صحن (گوهر شاد) رأيت رجُلاً قروياً يغسل قدمه في القسم العُلوي من الحوض. استنكرت عمل هذا الرجل القروي، ودفعَتْني فورة الشباب وقلّة التجربة إلى أن أضرب الرجل بالمكنسة التي كانت في يدي على ظهره ومنعته من مواصلة غسل قدميه في الجانب العُلوي من حوض الماء.
لم يَقُل الزائر القروي شيئاً.. ثمّ غسل قدميه في القسم السُّفلي من الحوض كما هو المتعارف.
وفي الليل.. رأيت في عالَم الرؤيا أن كل خدمة الحرم الشريف جالسون بأدب.. ثمّ دخل الإمام الرضا عليه السّلام. ولمّا حان وقت الوداع أهدى الإمام عليه السّلام لكلّ واحد من الخدم تفاحة. كان الخدم يقفون صفاً ينتظر كلٌّ منهم نوبتَه ليتسلم تفاحته ويقبّل يد الإمام. حتّى إذا وصلت نوبتي أعرض عنّي الإمام بحالة من الغضب، ولم يُعطِني تفاحة.
قلت: أنا عبدك يا مولاي وخادمك، فتفضَّلْ علَيّ كالآخرين.
وخنقتني العَبرة، فبكيت.
فقال لي الإمام: لماذا آذيت زائري اليوم ؟!
وتذكرت فجأة معاملتي السيئة لذلك الزائر القروي المُسِنّ.. فاعتذرتُ وتوسلتُ إلى الإمام عليه السّلام أن يعفو عني.. وعندئذ تفضّل علَيّ بالعفو والصفح، وأعطاني تفاحة.
وحين أفقتُ من النوم عاهدتُ نفسي أن أجعل هذه الرؤيا درساً لي في طول حياتي ولا أنساها أبداً.
وها أنا ذا خادم صغير من خدّام الحرم الرضوي الطاهر.. أعمل جهدي لأكون متواضعاً رؤوفاً بالزائرين.

( ترجمة عن: مجلة الزائر، العدد 73 ، سنة 2001 م ص 9 )


  «« الصفحة السابقة 1 2   

1 ـ الكليجة: نوع من الحلويات المعجَّنة، نوع من البتيفور.
Copyright © 1998 - 2014 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.