|
مضيف العتبة الرضوية المقدسة
عودة الى وثائق التاريخ
هذا المضيف من المؤسسات المتفرّعة عن هذه العتبة.. والتي تقدّم خدماتها للزائرين.
ولظاهرة استضافة زوّار العتبة الرضوية جذور تاريخية عريقة تستمدّ وجودها بالدرجة الأولى من سخاء أهل البيت عليهم السّلام ومن كرم ضيافتهم وإيوائهم للقاصدين والمقطوعين.
ومن الوجهة التاريخية.. لا تتوفر معلومات كافية يمكن من خلالها تحديد الوقت الذي بدأت فيه هذه الضيافة في مؤسسة العتبة الرضوية. لكنّ الوثائق التي في متناوَل اليد تكشف أنّ مجموعة مباني هذه العتبة كانت تضم في العصر الصفوي ( 907 ـ 1145 هـ ) ـ جناحاً خاصاً يقال له: « دار الضيافة » أو « المضيف والمطبخ ».

وعلى نحوٍ عام.. فإنّ إطعام الزائرين كان مألوفاً منذ أمد بعيد في المَشاهد المقدّسة والبقاع المباركة، سواء أكان هذا الإطعام يُبذَل للزائرين مَن قبل المتولِّين والعاملين على إدارة هذه الأماكن، أو من قبل عدد من الناس في مناسبات شتّى. ومن الناس مَن يُطعم الزائرين وفاءً بنذر كان قد نذره، وبعضهم يعمد الى إقامة مجالس العزاء في مناسبات وَفَيات أئمّة أهل البيت عليهم السّلام، أو في ذكرى المواليد و مناسبات السرور.. فيكون تقديم الطعام جزء من هذه المجالس.
وتذكر بعض المصادر أن مطبخ ( فيض آثار ) كان يعمل فيه ـ قبل عدد من القرون ـ عدد من الطبّاخين المَعنيّين بإعداد ألوان من الأطعمة والأشربة.. حيث يُستضاف الفقراء والمساكين الواردون لزيارة مرقد الإمام أبي الحسن الرضا عليه السّلام، والصادرون من الزيارة.
وأورد مؤلّف « منتخب التواريخ » أن مطبخ العتبة يقوم كل يوم بطبخ كمية من الرز، لتوزيعها على الزوّار. وقد شهدت هذه الظاهرة تحسّناً ملحوظاً في أيّام سدانة محمّد ولي خان الأسدي.. الذي أحدث تغييراً في المضيف، وبذل مزيداً من العناية في نظافة الطعام و الحساء الذي يُقدَّم الى ضيوف الإمام عليه السّلام.
ويشير كتاب « مطلع الشمس » الى أن هذا المضيف في سنة 1107 هـ كان موضعه عند قُبّة « اللهْ وِرْدي خان » من الروضة الرضوية المباركة. وأكّد على هذا الموضع مضيفاً للإمام عليه السّلام أيضاً كتاب « رحلة ناصر الدين شاه » الذي تحدّث عن زيارة هذا الملك لمشهد عام 1283 هـ.
وقد اشترط الملك عباس الصفوي ـ في أحد صكوك الأوقاف التي أوقفها سنة 1024 هـ على العتبة المقدسة ـ أن تُنفَق العائدات على المضيف الذي يتولّى إطعام الزائرين. ونظير هذا الشرط حَمَله أيضاً طومار ( علي شاه ) المورّخ في عام1190 هـ، حيث تضمن مقرّرات خاصّة بالمضيف، وذكر ما ينبغي إعداده من المواد اللازمة لطهو الطعام.
وتشير وثائق العتبة الرضوية الى أن المطبخ الذي يُعِدّ الطعام للزائرين هو غير المطبخ المتخصص بطعام خدم الروضة والعاملين فيها. حتّى إذا جاء العام 1308 هـ.. صيرَ الى إغلاق مطبخ الخدم، ليكون طهو الطعام كلّه في مكان واحد: للزوّار والضيوف والخدم. و ما تزال هذه الحالة باقية معمولاً بها الى اليوم.
* * *
يفتح مضيف العتبة الرضوية المقدسة أبوابه ظهراً وليلاً، على مدار السنة، لاستضافة الزوّار والضيوف، إذ يحضر المدعوّون في هذا المكان المبارك.. من كلّ الطبقات والفئات الإجتماعية، حيث تجد فيهم الفقير والثريّ، الرجل والمرأة والطفل، العربي والعجمي.. وهم يتبرّكون بتناول هذا الطعام الذي يُقدَّم لهم بيُمن الإمام الرضا عليه السّلام وبركته، داعين الله تعالى بالشفاء، ومتوسّلين اليه بوجاهة الإمام عنده. وكثيراً ما يحمل غير قليل من الزائرين المدعوّين معهم شيئاً من الطعام إلى أهلهم ومرضاهم إذا عادوا إليهم.
ويتفاوت عدد الضيوف بتفاوت فصول السنة، فيتزايد عددهم في فصل الصيف وفي مناسبات الزيارة الخاصة في طيلة العام، ويقلّ في فصل الشتاء. ويتفاوت كذلك: نوع الطعام الذي يُطهى ويُقدَّم على حسب اختلاف الفصول.
إضافة الى تناول الطعام في هذا المضيف المبارك.. فإنّ الزائرين المدعوّين عادةً ما تُقدَّم لهم أكياس صغيرة في قسم منها شيء من الرز، وفي قسم آخر منها شيء من الملح، كانت إدارة المضيف قد أعدّتها للزائرين ليحملوه معهم الى مَواطنهم طلباً للشفاء والبركة.. وخاصة للزائرين الذين يَفِدون من الخارج.
المضيف.. في الوقت الحاضر
يقع مضيف العتبة الرضوية في الوقت الحاضر داخل مجموعة مباني العتبة، في مبنىً يتألّف من ثلاثة طوابق.
والمضيف مجهَّز بامكانات جيدة وخدمات مناسبة لاستضافة ضيوف العتبة المقدسة. وقد أُلحق به مسلخ لذبح الأغنام، تُشرف عليه إدارة الصحة. وهو يحتوي على مجمِّدة كبيرة تُستَخدم لحفظ اللحوم الإضافية ريثما يحين موعد الوجبة التالية.
تمويل المضيف وتأمين نفقاته يعتمد على ما يقدّمه بعض الزائرين تطوّعاً أو نذراً في الدرجة الأولى، وعلى موارد النذور الأخرى بالدرجة الثانية. ويستقبل مضيف الإمام الرضا عليه السّلام كل يوم حوالي 3 آلاف ضيف. ما عدا أيام الشتاء الباردة، إذ يصل هذا العدد فيها إلى حوالي الألفين. كما انه يقدّم الطعام يومياً لحوالي 700 شخص من موظّفي وخدمة العتبة المقدّسة.
يُوزِّع المضيف بطاقات الدعوة لتناول الطعام عن طريق زيارات منظَّمه يقوم بها عدد من العاملين فيه للفنادق ونُزُل الزائرين على مختلف مستوياتها، فيقدّمون هذه البطاقات للزائرين المقيمين فيها.
وعند عَرض البطاقة عند مدخل المضيف يدخل الضيف إلى قاعة كبيرة، رُتِّبت فيها الطاولات والكراسي لتناول الطعام.

الملاحَظ في توزيع بطاقات الدعوة أنّ الزوّار القادمين من خارج ايران تكون لهم الأولويّة، فيُقدَّمون على الزائرين المقيمين في الداخل. وفي بعض الأوقات تُعطى بطاقات دعوة إلى عدد من المرضى اللائذين بالإمام الرضا عليه السّلام طلباً للشفاء والَّذين عادةً ما يتواجدون في الصحن العتيق عند الشباك الفولاذي يَدعون ويتضرّعون.. ممّا يوفّر لهم فرصة نفيسة للتناول من طعام المضيف المبارك.
يعمل في مضيف الإمام الرضا عليه السّلام حوالي 60 شخصاً يقومون بأداء عملهم وتقديم خدماتهم صباحاً وعصراً، لوجبتَي الغداء والعشاء.
ومن مهمّات المضيف الرضوي ـ بموجب عدد من الوقفيات ـ إعداد الطعام لمجلس اليوم الحادي عشر من ذي القعدة في كل عام ذكرى ولادة الإمام أبي الحسن الرضا عليه السّلام، ومجلس اليوم الثالث من شعبان مولد سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السّلام، و مراسيم العشرة الأيّام الأخيرة من شهر صفر ( ذكرى ارتحال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وسبطه الإمام الحسن عليه السّلام والإمام الرضا عليه السّلام ) .. حيث تُبسَط في هذه المناسبات مائدة كبيرة.
|