الواجهة » العالم الإسلامي » المدن الإسلامية » مدن شهيرة » فاس
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


فاس

تُعتبر مدينة فاس العاصمةَ الدينية والعلمية للمغرب العربي والحاضرة الثانية للمملكة المغربية، وذلك لتمتعها بموقع استراتيجي رائع في مفترق الطرق المؤدية إلى طنجة وسواحل المحيط الأطلسي وجنوب المغرب من جهة، وتلمسان والقيروان عن طريق ممر تازا من جهة أخرى.
ثمّ إن اسمها يقترن باسم مُنشئها الشريف إدريس بن عبدالله بن الحسن الذي نجح في الإفلات من أيدي العباسيين بعد هزيمتهم للعلويين سنة 169 هـ ( 786 م ) في موقعة فَخّ التي تبعد نحو ثلاثة أميال عن مكة. وفي هذه الموقعة قُتل الحسين بن حسن هو وأكثر أصحابه بينما لاذت فلولهم بالفرار. ونجح إدريس في التسلل إلى مصر في صحبة مولاه راشد، وهناك تستّر عليه صاحب البريد في مصر واضح مولى صالح بن المنصور، وساعده على مغادرة مصر، فحمله على بريدها إلى أرض المغرب. واتّفق وصول إدريس إلى إفريقية في إمارة يزيد بن حاتم على إفريقية وهشام بن عبدالرحمن الداخل على الأندلس وبداية ظهور بني مدرار بسلجماسة. ويذكر البكري أنه نزل بمدينة وليلة Volubilis عند قبيلة أوربة سنة 172 هـ ( 788 م )، وكانت وليلة حاضرة إقليم موريتانيا الطنجية، وما زالت أطلالها الرومانية ماثلة حتّى يومنا هذا تشهد بعظمتها في العصر الروماني، وتُعرف هذه الأطلال اليوم باسم « قصر فرعون »، وتقع على بعد ثلاثين كيلومترا من مكناس. وازدهرت وليلة في هذا العصر منذ منتصف القرن الأول الميلادي وتحضّرت على الأخص في عهد الإمبراطور كلوديوس ( 41 ـ 54 م ). ولقد أُجريت في هذه المدينة العتيقة حفائر أثرية أسفرت عن كشف قوس الإمبراطور الروماني كراكلا ( 211 ـ 217 م ) وبعض شوارع مرصوفة وآثار منازل بأرضياتها الفُسَيفسائية وأعمدتها الرخامية.
استطاع الشريف إدريس التأثير في نفوس البربر، وكانوا يُقاسُون من جور الولاة العباسيين ومِن قَبلهم الأمويين وتعسفهم معهم، فأقبلوا على مبادئ الخوارج الصفرية والإباضية يعتنقونها لأنها كانت تدعو إلى الثورة، وأخذ مرجل الخارجية يغلي في أرض المغرب منذ أواخر القرن الأول الهجري، فسجلوا انتصارات لم تكن في الحسبان على ولاة بني العباس في المغرب. واستفحل أمرهم منذ ذلك الحين فأقاموا دولة خارجية في تاهرت بالمغرب الأوسط تعرف بدولة الرستميين نسبة إلى عبدالرحمان بن رستم سنة 144 هـ، لذلك لا نعجب حين نرى البربر وعلى الأخص بربر أوربة يؤازرون إدريس ويُجمعون على نصرته ويستجيبون لدعوته، بعد أن ذكر لهم نسبه وقرابته إلى الرسول، فبايعوه بالإمامة في شهر رمضان سنة 172 هـ ( 788 م ). وكانت أُولى القبائل التي بايعته قبيلة أوربة البرانسية ثم زناتة وزواغة ومكناسة ونفزة وغمارة. وعمد إدريس إلى بناء عاصمة جديدة لدولته فأسس مدينة فاس سنة 172 هـ. ويبدو أنه بناها لتوسط منازل القبائل البربرية التي ناصرته وأيدته بدلاً من وليلة التي كانت تحتل موقعاً متطرفاً بالنسبة للعاصمة الجديدة.
واختار إدريس موقع مدينته الجديدة في منطقة سهلة خصبة تمتد على الضفّة اليمنى من نهر سبو، وبناها في أواخر سنة 172 هـ ( 789 م ) وسماها فاس. ويعلّل ابن أبي زرع صاحب كتاب « روض القرطاس » هذه التسميةَ بأن بعض خدمه صنعوا له فأساً من ذهب وفضة، فكان إدريس يمسكه بيده ويبدأ به الحفر ويختط به الأساس للفَعَلة، فكثر عند ذلك ذكر الفأس على ألسنتهم طوال مدة البناء فسُمّيت المدينة به. وهناك تفسير آخر لهذه التسمية يرجحه نفس المؤرخ العربي فيقول:
« وقيل لإدريس: كيف تسمّيها، قال: أسمّيها باسم المدينة التي كانت قبلها في موضعها الذي أخبرني الراهب أنه كان هنا مدينة أزلية من بينان الأول فخربت قبل الإسلام بألف وسبعمائة سنة وكان اسمها مدينة « ساف لاكن »، أقلب اسمها الأول وأسمّيها به. فقلبه فأتى منه فاس فسمّيت به. وقيل: إنه لمّا شرع في حصر أساسها من جهة الجنوب عثر في الحفير على فاس كبير فسمّيت به المدينة.
ومع ذلك فهناك جمهرة من المؤرخين العرب تنسب بناء فاس إلى إدريس الثاني بن إدريس بن عبدالله بن الحسن سنة 193 هـ ( 808 م )، غير أن بعض الدراهم المحفوظة حالياً في المكتبة الأهلية بباريس ومتحف خاركوف والتي ضربت منذ عام 185 هـ ( 801 م ) إلى 189 هـ ( 805 م ) تحمل اسم مدينة فاس، مما يدل قطعاً على أن فاس من بناء إدريس الأول. يضاف إلى ذلك النصوص التي ذكرها ابن الأبّار في كتابه وابن فضل الله العمري في كتابه « مسالك الأبصار »، وكلها تؤيّد نسبة فاس إلى إدريس الأول. أما المدينة التي يُنسَب بناؤها إلى إدريس الثاني فهي « الحضرة العالية » وفقاً للكتابة المنقوشة على بعض العملات من عصر هذا الرجل أو « عَدْوة القرويّين » حسب روايات المؤرخين. وقد أُقيمت هذه المدينة الجديدة تجاه المدينة القديمة ( فاس ) على الضفة اليسرى من وادي سبو.
واستقام الأمر للشريف إدريس، فغزا السوس الأقصى، ودخل ماسة سنة 173 هـ ورباط تازا سنة 174هـ، وقويت شوكته وعظم أمره، فخاف الحاكم العباسي هارون الرشيد أن يَعْظم سلطانه في المغرب كما خاف أن يلتفّ البربر من حوله، فعمل على التخلص منه، فدسّ إليه رجلاً اسمه سليمان بن جرير ويعرف بالشمّاخ مولى الحاكم الهادي العباسي، وتحايل الشماخ على قتله. وقيل إنه دسّ له السم في قارورة ملأى بالطيب، وقيل سَمّه في سنون. ومات إدريس سنة 175 هـ ودفن بوليلة.
وكان إدريس قد ترك جارية بربرية اسمها كنزة حاملاً، فوضعت بعد مضيّ شهرين من وفاته غلاماً فسمّي باسم أبيه. وقام راشد مولى إدريس بالوصاية عليه، وخلفه في الوصاية على إدريس الثاني رجل عربي اسمه أبو خالد يزيد. فلما بلغ إدريس الثاني الحادية عشرة من عمره بايعه البربر سنة 187 هـ ( 803 م ) وقيل في غرة ربيع الأول سنة 188هـ ( 804 م ). ثم قام إدريس ببناء مدينة جديدة تجاه مدينة أبيه فاس.
ويذكر ابن عذارى أن عَدْوَة القرويّين كانت « غياضاً في أطرافها بيوت من زواغة، فأرسلوا إليه ودبر في البناء عندهم، فكان ابتداء بناء مدينة فاس سنة 193 هـ وذلك « عدوة القرويين ». ويقصد ابن عذارى بذلك أنه هو الذي أسس عدوة القرويين الواقعة على الضفة اليسرى لنهر سبو تجاه فاس. واتخذ إدريس الثاني من هذه المدينة الجديدة أو عدوة القرويين مقراً أميرياً سمّاه العالية، أقام فيه داراً لسكّ النقود، وبنى فيها مسجداً سمّاه بجامع الشرفاء. ثم بنى داراً له وقيسارية بجوار هذا الجامع، وأدار الأسواق حول الجامع من كل جانب، وأمر الناس بالبناء والغرس وقال لهم: من أنشأ موضعاً واغترسه قبل تمام السور بالبناء فهو له هبة ابتغاء وجه الله تعالى، فبنى الناس الديار واغترسوا الثمار وكثرت العمارة والغيطة.
أما مدينة فاس التي بناها أبوه من قبل فقد وفد إليها منذ عام 199 هـ ( 814 م ) جموعٌ كثيرة من أهل ربض شقندة من أرباض قرطبة بالأندلس طردهم منها الأمير الحكم الربضي، فأقاموا بهذه العَدْوة فسمّيت باسم عدوة الأندلس، بينما أُطلق اسم فاس على العَدْوتَين معاً، وحاطهما إدريس بسور يدور حولهما بحيث لا يفصل بينهما سوى نهر سبو نفسه. وأقام بعدوة الأندلس مسجداً سمّاه جامع الأشياخ على نحو ما فعله في عدوة القرويين.
عظمت مدينة فاس في عهد خلفاء إدريس الثاني، وعلى الأخص في عهد يحيى بن محمد بن إدريس سنة 234 هـ ( 848 م )، وعمرت بالأبنية الرائعة، وأقيمت فيها الحمّامات والفنادق، كما أقيم جامعا فاس القرويّين والأندلسيّين عام 245 هـ( 859 م ).
ولمّا ولي عبدالرحمان بن محمد الملقّب بعبد الرحمان الناصر الخلافةَ بقرطبة، في الوقت الذي كانت الدولة الفاطمية الفتيّة تتأهب فيه للاستيلاء على الأندلس، أخذ يبثّ بذور الفتنة بين قبائل البربر في بلاد المغرب، واستولى على معبرَي الأندلس وهما سبتة وطنجة عام 317 هـ ( 929 م ). وأطاعه بنو إدريس أمراء فاس، وانضمّ إليه رؤساء زناتة. وهكذا خضعت فاس لنفوذ الحاكم الأموي بقرطبة وبايع ولاتها لعبد الرحمان الناصر ولابنه الحكم المستنصر من بعده، وظلت تابعة للأندلس في عهد المنصور بن أبي عامر، الذي ولّى عليها ابن أخيه عبدالله بن أبي عامر، ثم المعز بن زيري بن عطية سنة 397 هـ. ولمّا مات المعز بن زيري سنة 416 هـ تولّى مكانه ابنه أبو العطاف حمامة بن المعز، وقامت المنازعات على تولّي الإمارة من بعده. وظل الأمر كذلك حتّى قامت دولة المرابطين ودخلها يوسف بن تاشفين.
وازدهرت فاس في عصر المرابطين وأصبحت تُسمّى لدى شيوخ هذه الدولة ببغداد المغرب، غير أن المرابطين آثروا عليها مراكش لقربها من بلاد المصامدة وصحراء لمتونة « فلهذا السبب كانت مراكش تكرّس المملكة، وإلا فمدينة فاس أحق بذلك منها » (1).
ويضيف المراكشي قائلاً: وما أظن في الدنيا مدينة كمدينة فاس أكثر مرافقَ وأوسع معايش وأخصب جهات، وذلك أنها مدينة يحفّها الماء والشجر من جميع جهاتها، ويتخلّل الأنهار أكثر دورها زائداً على نحو من أربعين عيناً ينغلق عليها أبوابها ويحيط بها سورها. ومع أن يوسف بن تاشفين اختار مراكش عاصمة له، فإنه لم يهمل فاس بل اهتم بها وزارها سنة 462 هـ وحصّنها وأتقنها وأمر بهدم الأسوار التي كانت تفصل بين عَدْوَتَيها وردّها مصراً واحداً، وأقام المساجد وبنى الحمّامات والفنادق والأرصاد وأصلح الأسواق.
ظلت فاس العاصمة الثانية لدولة المرابطين حتّى تصدعت أركان دولتهم وتغلّب عليهم الموحدون أتباع المهدي بن تومرت وخليفته عبدالمؤمن بن علي. وسقطت فاس في أيدي الموحّدين سنة 540 هـ، ودخلها الموحّدون في 15 ربيع الثاني بعد حصار دام أحد عشر شهراً. وأمر عبدالمؤمن بهدم سورها وفتح فيه ثلمات كثيرة وقال: « إنا لا نحتاج إلى سور وإنما الأسوار سيوفنا وعدلنا ». ولم تزل مدينة فاس غير مسوَّرة إلى أن حاطها الخليفة محمد الناصر بن أبي يوسف يعقوب المنصور بأسوار جديدة سنة 595 هـ ( 1198 م ).
ولمّا سقطت دولة الموحّدين، استولى بنو مرين على فاس واتخذوها حاضرة لدولته، وقام السلطان أبو يوسف يعقوب بن عبدالحق المريني سنة 684 هـ ( 1285 م ) ببناء باب عجيب من أبواب فاس، كما أمر بإصلاح السور القبلي من عدوة الأندلس، فجدّد أكثره ورمم ما تهدّم منه. وأقام هذا السلطان نفسه سنة 674 هـ مدينة جديدة بجوار مدينة فاس القديمة سمّاها فاس الجديدة أو المدينة البيضاء، وأنشأ فيها قصوره وقصور قواده وثكنات جيشه والمسجد الجامع بفاس الجديدة.
استولى الأشراف السعديون على فاس سنة 1548 م، ولكنهم اتخذوا مدينة مراكش حاضرة لهم. وعادت فاس عاصمة للمغرب الأقصى مرة ثالثة في عهد السلطان مولاي الرشيد ( 1660 ـ 1672م ) من سلاطين الأشراف العلويين، وزوّدها بالأسوار وحصّنها وأقام مدرسة بجانب المسجد الجامع مدرسة الشراطين، كما أقام قصبة بفاس بالي. أمّا ابنه مولاي إسماعيل ( 1672 ـ 1727 م ) فقد فضّل مدينة مكناس واتّخذها مقراً له، وأصبح للمغرب في عهده عاصمتان: فاس في الشمال، ومكناس في الجنوب.
واستعادت فاس عظمتها في عهد مولاي سليمان ( 1792 ـ 1816 م ) الذي بنى فيها أبواباً كثيرة ومساجد جديدة. وظلّت فاس حتّى وقتنا الحاضر المدينة الأولى في مملكة المغرب والعاصمة العلمية والدينية والتجارية.

( دائرة المعارف الإسلامية الشيعية 404:8 ـ 406 )


1 ـ عبدالواحد المراكشي: المُعجِب في تلخيص أخبار المَغرب، القاهرة 1949 ص 358.
Copyright © 1998 - 2014 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.