الواجهة » خدمات » مناسبات خاصة » خواطر.. في آفاق الهِجْرة
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


خواطر.. في آفاق الهِجْرة

إخوتنا الأفاضلَ الأكارم! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نبارك لكم هذا اليومَ الشريف، في ذكرى الهجرة النبويّة الميمونة، على مهاجِرِها وآله أفضلُ الصلاة والسلام. ولنا معكم هذا الحديث:
أيُّها الإخوةُ الأحبّة! في حدائق اللّغة العربية تقول جذور الكلمة « هَجَر »، بأنّ الهَجْرَ والهِجْران هما مفارقةُ الإنسان غيرَه، إمّا بالبدن أو باللّسان أو بالقلب. فيكون أصلُ المهاجرة هو مُتاركةَ الغير.
والهجرة ـ إخوتَنا الأعزّة ـ تكون على صورتين وحالتين:
فمرّةً يهجر المرءُ الناسَ والأرضَ التي يعيش فيها، وهي هجرةٌ ظاهريّة، ومرّةً أُخرى يهجرُ ذنوبه وأعماله التي لا يرضاها ربُّه « عزّوجلّ »، وتلك هجرةٌ باطنيّةٌ داخليّة.. وقيل: هي أشرف الهجرة وأفضلها، حتّى ورد في مضامين الحديث النبويّ الشريف أنّ أفضل الهجرة هجرانُ السُّوء، وهجرانُ ما يكرهُ الله « تعالى » لعبده، وأنّ المهاجرَ الحقيقيّ مَن هجرَ الخطايا والذنوب.
وقد رُويَ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه سُئل: أيُّ الإيمان أفضل ؟ فقال: الهجرة، فقيل له: وما الهجرة ؟ فقال: أن تهجر السوء، فقيل: فأيُّ الهجرةِ أفضل ؟ فأجاب صلّى الله عليه وآله: الجهاد.

* * *

وربما جمع المؤمنُ بين الهجرتين ـ أيُّها الإخوة الكرام ـ.. كيف ذلك ؟ قيل: حينما يهجر بلادَ أهلِ المعاصي، حيث يجد نفسَه بين أمرينِ كلاهُما خطير..
الأوّل ـ الإقرارُ على الظلم والفساد والانحراف.
والثاني ـ التلوّث، هو وأهلُه.. بأجواء الرذيلة، أو توجّه الظلمِ إليه وإلى ذويه بما يُخشى منه هلاكُ الأنفس وتلفُها.
ومن هنا.. كانت دعوةُ الحقّ نازلةً في قوله « تبارك وتعالى »: يا عباديَ الذين آمَنُوا إنّ أرضي واسعةٌ فإيّاي فاعبُدون (1)، قال الإمام الباقر عليه السّلام في ظلّ هذه الآية الشريفة: يقول: لا تُطيعوا أهلَ الفِسق من الملوك، فإنْ خِفتموهم أن يفتنوكم على دينكم فإنّ أرضي واسعة..
أجلَ، أيُّها الإخوة! فمَن عجزَ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأى نفسه في أخطار الظلم والإثم بأرضٍ يُعصى اللهُ فيها كان عليه أن يخرج إلى غيرها، ليُطيع الله تعالى هناك ويأمنَ على دينه العزيز، وعلى نفسه وكرامته وأهليه.
وقد قال تعالى في محكم تنزيله الكريم: إنّ الذين توفّاهمُ الملائكةُ ظالمي أنفسِهم قالوا: فيمَ كنتُم ؟ قالوا: كنّا مستضعَفينَ في الأرض، قالوا: ألم تكن أرضُ الله واسعةً فتهاجروا فيها ؟! فأُولئك مَأْواهم جهنّمُ وساءت مصيرا (2).
أي: إنِ امتنع عليكم عبادتي في ناحيةٍ مِن أرضي.. فإنّ أرضي واسعة، تسَعُكم ناحيةٌ أُخرى لعبادتي، فهاجِروا إليها واعبدوني وحدي. وذلك بلاغُ الحقّ: قلْ يا عبادِ الذين آمنوا اتّقُوا ربَّكم، لِلذّين أحسَنُوا في هذهِ الدنيا حسَنةٌ وأرضُ اللهِ واسعة.. (3).

* * *

وتلك سيرةُ الأنبياء، والأوصياء سلام الله عليهم جميعاً، تحكي أنّ الهجرة تشريعٌ إلهيٌّ اقتضتْه الحكمة الربّانيّة، لتُحفظ بها أنفسُ المؤمنين والمستضعفين، وذلك أمرٌ مهمٌّ وعزيز، وليُحفظَ بها الدينُ الحنيف، وذلك الأمرُ الأهمُّ والأعزّ.. وتلك كلمة النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله: مَن فرّ بدينه من أرضٍ إلى أرض، وإنْ كان شِبراً من الأرض، استوجب الجنّةَ وكان رفيقَ إبراهيم ومحمّدٍ عليهما السّلام.
نعم.. فقد هاجر إبراهيم الخليل عليه السّلام فكانت مكّةُ عامرةً على يديه ببناءِ كعبتها ودعوة الحجيج إليها على كلِّ ضامرٍ من كلِّ فجٍّ عميق، وكانت هجرةُ لوطٍ عليه السّلام عن قومٍ أبَوا إلاّ الفاحشة، فأبى الله « عزّوجلّ » إلاّ أن يُنزلَ عليهم سخَطَه وعقابَه المُهين. وكانت هجرةُ موسى الكليم عليه السّلام إلى النبيّ شُعيب سلامُ الله عليه لمّا خرج مِن المدينة خائفاً يترقّب، حينما خشيَ الغدرة من قومه، وكانت له هجرةٌ أُخرى تمحّص فيها أتباعه بعد أن نجّاه الله تعالى من ظلْمِ فرعونَ وآلِ فرعون.
وكانت هجرةُ السيّد المسيحِ عيسى بنِ مريمَ عليهما السّلام حيث ساح في الأرض، فعطّرها بكراماته، وطَيِّبِ مواعظه وكلماته. وكانت هجرةُ المصطفى الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأحيا بها أنفساً كادت يدُ البطش القَرشيّ أن تفتكَ بها، وأحيا دِيناً كاد أن يُقضى عليه مِن قِبل طواغيت الكفر والشِركِ والضلال. فخرج إلى يثرب فكانت به تُسمّى المدينةَ المنوّرة، فجاءها بدين الحقّ والهدى وبشارات الرحمة والسعادة، فبثّ الخير في أرجاء الحياة زماناً ومكاناً ببركةِ هجرته الشريفة تلك.

1 ـ سورة الأنفال: 30.
2 ـ سورة يس: 1 ـ 9.
3 ـ سورة البقرة: 207.
Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.