الواجهة » الإسلام » فقهيات » سجدتان.. كيف نفهمهما
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


سجدتان.. كيف نفهمهما

السجود في اللّغة
هو الخضوع والطاعة، يُقال: سَجَدَ يَسجُد سُجُوداً: أي خَضَع وتَطامَن ( المصباح المنير للفيّومي ـ باب سَجَد )، ومنه قوله تعالى: ألَم تَرَ أنّ اللهَ يَسجُدُ له مَن في السماواتِ والأرض [ الحج:18 ]. وكلُّ شيءٍ ذلّ فقد سجد، وهو ساجد، والجمع: سُجَّد، وسُجُود.

السجود في الاصطلاح
هو الانحناء، ووضع أعضاء السجود على الأرض، بقَدْر لَبِنَةٍ لا غير ( جامع المقاصد في شرح القواعد للمحقّق الكركي 298:2 ). وحقيقة السجود: وضعُ الجبهة وباطن الكفَّينِ والركبتينِ وطرفَي الإبهامين من القدمَينِ على الأرض؛ بقصد التعظيم ( المُقنعة للشيخ المفيد:105، مهذّب الأحكام للسيّد عبدالأعلى السبزواري 416:6 ).
جاء عن أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام قوله: « السجودُ الجسماني: هو وضع عتائق الوجوه على التراب، واستقبالُ الأرض بالراحتيَنِ والرُّكبتَينِ وأطرافِ القدمَين، مع خشوع القلب وإخلاص النيّة. والسجود النفساني: فراغ القلب من الفانيات، والإقبال بِكُنه الهمّة على الباقيات، وخَلعُ الكِبْر والحميّة، وقطعُ العلائق الدنيويّة، والتحلّي بالأخلاق النبويّة »( غرر الحِكم ودرر الكلِم للآمدي 122:1 / ح 2234 و 2235 ).

السجود في القرآن الكريم
ورد فيه كونه على ضربَين:
1. سجود اختيار: وهو خاصّ بالإنسان، وبه يستحقّ الثواب، قال تعالى: فاسْجُدوا للهِ واعبُدوا [ النجم:62 ـ سجد واجبة ]، أي تذلّلوا له جلّ وعلا، وهو المراد بالتعريف الاصطلاحيّ المتقدّم.
2. سجود تسخير: وهو للإنسان ولبقيّة المخلوقات، قال تعالى: وللهِ يَسجُدُ مَن في السماواتِ والأرضِ طَوعاً وكَرْهاً [ الرعد:15 ]، وقوله تعالى: والنجمُ والشَّجَرُ يَسجُدان [ الرحمن:6 ]، وقد أُريد أنّ الأشياء كلّها غير ممتنعةٍ من فعل الله تعالى، فهي مطيعةٌ له سبحانه، وهذا ما عُبِّر عنه بالساجد ( المسائل السَّرَويّة للشيخ المفيد:49 ).
وأمّا حول ما اشتمل على كلا السجودَين ( التسخير والاختيار )، فقد جاء قوله تعالى: ولِلهِ يَسجُد ما في السماواتِ وما في الأرضِ مِن دابّةٍ والملائكةُ وهُم لا يستكبرون [ النحل:49 ].

حرمة السجود لغير الله تعالى
قد علمنا أنّ السجود هو الخضوع والخشوع والتذلّل، وبما أنّ الخضوع والخشوع والتذلّل أعمّ من السجود، فقد يشتبه الجاهل فيَحمل حرمة السجود لغير الله عزّوجلّ على حرمة الخضوع لغير الله تعالى، مع أنّ الله سبحانه قد أمر بالتذلّل للوالدين فقال عزّ مِن قائل: وآخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرحمة [ الإسراء:24 ].
واقتداءً بجملةً الآثار والأخبار، حثّ علماء الأخلاق على التواضع للمؤمنين وللعلماء والخضوع لهم لا سيّما في مقام التعلّم، وعلى ضرورة الخضوع للحقّ والانقياد له حتّى لو صدر من صبيّ، فكيف الحال إذا صدر من نبيٍّ أو وصيّ ؟! ولا شكّ أنّ الخضوع للأنبياء، والأئمّة الهداة الأمناء، والانصياع لأوامرهم، هما من موجبات الشرع الحنيف، وليس ذلك من التأليه ولا مِن الشرّك كما يتوهّم البعض.. فقد قال تعالى في وصفِ قومٍ مَرْضيّين: أذِلّةٍ على المؤمنين أعِزّةٍ على الكافرين [ المائدة:54 ].

إذن.. ما معنى السجود لآدم عليه السلام ؟
هنالك آراء:
الرأي الأول ـ أنّ سجود الملائكة لآدم عليه السلام كان سجودَ خضوعٍ وتواضع. ويُردّ هذا بأنّه خلاف الظاهر من اللفظ، فالروايات في هذا الموضوع دلّت على سجود الملائكة بالمعنى المعهود للسجود، والآية واضحة في ذلك، إذ قال تعالى آمِراً: فَقَعُوا له ساجدين [ الحجر:29 ]، فامتثل الجميع بالسجود ائتماراً بأمر الله تعالى، إلاّ إبليسَ أبى واستكبر ولم يكن من الساجدين، ومن هنا جاء في الروايات أنّ العبد إذا سجد لربّه ضجر إبليس؛ لأنّه أُمِر بالسجود فعصى فلُعِن.
وفي هذا الموضوع سأل أبو بصير الإمامَ جعفر الصادق عليه السلام: سَجدتِ الملائكةُ لآدم عليه السلام ووضعوا جباههم على الأرض ؟ فأجابه عليه السلام قائلاً: « نعم؛ تَكْرُمةً مِن الله تعالى » ( بحار الأنوار للشيخ المجلسي 139:11 / ح 3 ـ عن: قصص الأنبياء، باب سجود الملائكة ومعناه... ).
الرأي الثاني ـ أنّ سجود الملائكة كان لله عزّوجلّ، وإنّما كان آدم عليه السلام قِبلةً لهم.. ويُردّ هذا أيضاً على ما ورد على سابقه مِن مخالفته لظاهر اللفظ، بل ومنافاتهِ لصريح الآية المباركة: أأسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً [ الإسراء:61 ]، وهو اعتراض إبليس وقد أبى السجودَ لآدم بادّعائه أنّه خُلِق من نار وأنّه بذلك أشرفُ من آدم عليه السلام، فلم يسجد وكان من الكافرين.. قال عزّ من قائل:
قالَ ما مَنَعكَ ألاّ تَسجُدَ إذْ أمَرْتُك، قال أنَا خيرٌ منه خلَقْتَني مِن نارٍ وخلَقْتَه مِن طين * قالَ فاهْبِطْ منها فما يكونُ لكَ أن تَتكبَّرَ فيها، فاخرُجْ إنّكَ مِن الصاغرين [ الأعراف:12 ـ 13 ]، وهذا النصّ المبارك صريح بإرادة السجود، وليس المتبادَر منه القِبلة.
الرأي الثالث ـ أنّ السجودَ لشخص آدم عليه السلام، حيث كان بأمرٍ صريحٍ من الله جلّ وعلا، فيكون السجود في حقيقته خضوعاً لله عزّوجلّ، لأنّه يأتي هنا طاعةً لله وائتماراً بأمره. فالسجودُ لغير الله لا يجوز، ولكنّه إذا كان بأمرٍ من الله، فيكون في الحقيقة طاعةً لله وتقرّباً إليه، بل يكون في حقيقته خضوعاً له تبارك وتعالى وسجوداً له؛ لأنّه امتثالٌ لأمره، وانقيادٌ لحُكمه، وتلبيةٌ لدعوته.. بل يكون عدمُ السجود في هذه الحالة معصيةً وتمرّداً، ومن هنا فاز الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، ولُعن إبليس لعدم سجوده فطُرِد من رحمة الله، ووُعِد بعذاب الله، وباء بسخط الله!
روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: « قال إبليس: ربِّ أعْفِني مِن السجود لآدم وأنا أعبدُك عبادةً لم يَعبُدْكَها مَلَكٌ مُقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرسَل. فقال الله: لا حاجةَ لي إلى عبادتك، إنّما أريد أن أُعبَدَ مِن حيثُ أريد، لا مِن حيث تريد. فأبى أن يسجد!.. » ( بحار الأنوار 141:11 / ح 7 ـ عن: تفسير القمّي ).
وسال الإمامَ الصادقَ عليه السلام يوماً زنديقٌ، قال: أفيَصلح السجودُ لغير الله ؟! فأجابه الإمام عليه السلام: « لا »، فعاد الزنديق يسأل: فكيف أمر اللهُ الملائكةَ بالسجود لآدمِ ؟! فأجابه الإمام عليه السلام: « إنّ مَن سَجَد بأمرِ الله، فقد سَجَد لله، فكان سجودُه لله إذا كان عن أمرِ الله » ( الاحتجاج لأبي منصور أحمد بن علي الطبرسي 218:2، بحار الأنوار 168:10 / ح 2 ـ الباب 13 ).

ثم ما معنى السجود ليوسف عليه السلام؟
جاء في سورة يوسف قوله تبارك وتعالى: ورَفَعَ أبَوَيهِ علَى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ( يوسف:100 )، والآية ـ في الحقيقة ـ لا تتعارض مع حرمة السجود لغير الله عزّوجلّ، لأنّ ذلك السجود كان إعظاماً وشكراً لله جلّ وعلا على ما أنعم عليهم من نعمة السلامة واجتماع الشمل، ولم يكن سجودهم عبادةً ليوسف عليه السلام؛ أبداً، وكيف يُشَكّ في ذلك ومِن بين الساجدين نبيٌّ موحِّد أخلص لله تعالى، ذلك هو يعقوب عليه السلام، الذي وصفه الله عزّوجلّ في كتابه بقوله: وإنّه لَذُو عِلمٍ لِما عَلَّمناهُ ولكنّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون [ يوسف:68 ].
وهنا ـ أيُّها الإخوة ـ يَحسُن بنا أيضاً أن نلجأ إلى أهل بيت الوحي والنبوّة والنور الإلهيّ.. فيروي لنا أبو بصير أن الإمام محمّدَ الباقر عليه السلام قال حول قصّة يوسف عليه السلام.
«... فلمّا دخلوا على يوسُفَ في دار الملك، إعتنق أباه فقبّلَه وبكى... ثمّ دخل منزله فادّهَنَ واكتحَلَ ولَبِس ثيابَ العِزّة والمُلك، ثمّ رجع إليهم ـ أو: خرج إليهم ـ فلمّا رَأَوه سجدوا له جميعاً؛ إعظاماً وشُكراً لله، فعند ذلك قال: يا أبتِ هذا تأويلُ رؤيايَ مِن قَبلُ قد جَعَلَها ربّي حقّاً .. » ( تفسير العيّاشي 197:2 / ح 83 ـ عنه: بحار الأنوار 318:12 / ح 143. والآية في سورة يوسف:100 ).
وسُئل الإمام الصادق عليه السلام عن قوله تعالى: وخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ، فقال: « كان سجودُهم ذلك عبادةً لله » ( تفسير العيّاشي 197:2 / ح 85 ).
وكذلك سُئل الإمام علي الهادي عليه السلام عن قول الله عزّوجلّ: ورَفَعَ أبوَيهَ عَلَى العرشِ وخَرُّوا له سُجّداً أسَجَد يعقوبُ ووُلدُه ليوسف وهم أنبياء ؟ فقال عليه السلام: « وأمّا سجود يعقوبَ ووُلدِه ليوسف، فإنّ السجود لم يكن ليوسف، كما أنّ السجودَ من الملائكة لآدم لم يكن لآدم، وإنّما كان منهم طاعةً لله وتحيّةً لآدم، فسجد يعقوبُ ووُلدُه شكراً باجتماع شملهم، ألَم تَرَ أنّه يقول في شكره في ذلك الوقت: رَبِّ قَد آتَيتني مِنَ المُلْكِ وعَلّمْتَني مِن تأويلِ الأحاديث ( الاختصاص للشيخ المفيد 91 ـ 93، تفسير العيّاشي 197:2 / ح 82. والآية في سورة يوسف:101 ).
وهنا يَحسُن أن نبيّن حقيقةً عميقة، ينبغي ألاّ تفوتَنا، وهي أنّ في صلب آدم كان أشرف الخَلْق، محمّدٌ وآل محمّد صلوات الله عليه وعليهم، ومن هنا أمر الله تعالى بالسجود لآدم عليه السلام، وذلك ما أفصحت عنه روايات شريفة، منها ما جاء عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام في حديثٍ طويل، جاء فيه قوله:
« إنّ الله تبارك وتعالى خلق آدمَ فأودَعَنا صُلبَه، وأمرَ الملائكةَ بالسجود له؛ تعظيماً لنا وإكراماً، وكان سجودُهم لله تعالى عبوديّة، ولآدمَ إكراماً وطاعةً لكونِنا في صُلبِه، فكيف لا نكون أفضلَ مِن الملائكةِ وقد سجدوا لأدمَ كلُّهم أجمعون ؟! » ( تفسير نور الثقلين للحويزي 58:1 / ح 101 ـ عن: عيون أخبار الرضا عليه السلام للشيخ الصدوق ).

Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.