الواجهة » الإسلام » النبي وأهل البيت » كيفَ لا يُبْكى !
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


كيفَ لا يُبْكى !

البكاء والعزاء ـ أيّها الإخوة الأكارم ـ من المظاهر العقلائية التي يؤيّدها الدِّين، بل ويشجّع عليها ويدعو إليها.. لماذا ؟ لأنّها تأتي في السياق الفطريّ للإنسان صاحب الشعور والمتفاعل مع القضايا يا المأساوية، وإلاّ لَما خلق الله في الإنسان هذه القدرة على البكاء. إضافةً إلى ذلك فإنّ الدين هذّب هذا التفاعل لئلاّ يكون اعتراضاً على قضاء الله تبارك وتعالى أو جحوداً لأِنعُمِه.
إنّ الناس ـ إخوتنا الأفاضل ـ يبكون لفراق أحبّتهم حين يموتون، ويبكون لمصائب تَرِد عليهم وعلى أهلهم وذويهم، بل ويبكون حين يرون مشاهد مؤثّرةً حزينة أو وقائع مفجعة. والبكاء حالة تجسّد إنسانيّة الإنسان، لأنّه يعكس تعاطفه مع القيم النبيلة ومع المظلومين والمستضعفين والبائسين والمحرومين، وذلك يعبّر عن شديد الحرص على العدالة والرحمة وإجلال عباد الله المكرمين، من الأنبياء والأولياء والأوصياء سلام الله عليهم أجمعين.
والقضيّة الحسينيّة المقدّسة لا تزال تستدرّ مجاري الدموع النبيلة، لأنّها ذات مصيبةٍ كبرى وفاجعةٍ عظمى، فلو كان شهداء كربلاء أناساً غير معروفين لكان ما حلّ بهم من القتل الذريع باعثاً على البكاء ومستدعياً للحزن والتفجّع، فكيف بنا وهم: أولياء الله، وأحبّاء الله، وأهل بيت رسول الله، وأنصار آل الله ؟! فكيف لا يبكي المسلم وهو يقرأ أو يسمع بمقتل سبط رسول الله وريحانته، وسيّد شباب أهل الجنّة، وفلذّة كبدَي فاطمة الزهراء وأمير المؤمنين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ؟! ثمّ كيف لا يبكي والمَقاتل تصوّر له مقتل طفلٍ رضيع، وسحق صبيانٍ مذعورين، وتأسير أرامل ويتامى مدهوشين ؟! وكيف لا يعتصر قلب المؤمن حزناً لفاجعة الطفّ يوم عاشوراء وكان فيها العطش المهلك، والتمثيل بالأجساد الطاهرة، وسبي أسرة النبيّ وأُسر المؤمنين الشهداء الطيّبين ؟!
إنّ مَن لا يبكي لمثل هذه الواقعة يُشَكّ في إيمانه، بل يُقطع بعدم ولائه لرسول الله صلّى الله عليه وآله وقد سبق أن تقدّم لهذه الأمّة بهذا الدليل على إيمان المرء، قائلاً: « لا يؤمنُ عبدٌ حتّى أكونَ أحبَّ إليه من نفسه، وتكونَ عترتي إليه أعزَّ مِن عترته، ويكونَ أهلي أحبَّ إليه من أهله، وتكونَ ذاتي أحبَّ إليه مِن ذاته » ( علل الشرائع للشيخ الصدوق:140 / ح 3 ـ الباب 117، أمالي الصدوق:274 / ح 9 ـ المجلس 54 ).
وهذه علامة شاخصة من العلامات الكبرى الواضحة في إيمان المسلم، وهي إلى ذلك علامة من علامات الإنسانيّة التي لم تفسد فطرتها البشريّة، ولم تجمد عواطفها ومشاعرها، تلك الإنسانيّة التي تحزن على كلّ مظلوم بريء، وعلى كلّ امرأةٍ منكسرةٍ مُعدَمة، وعلى كلِّ عزيزِ قومٍ يُتجاوَز على حرمته وكرامته.. فكيف بها بأهل بيت العصمة والطهارة والقيم السماويّة المقدّسة، ومَن بذلوا أعمارهم المباركة في طاعة الله، وخدمة عباد الله، بالنُّصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبث الهداية والإيمان والتقوى والمعرفة، ليأخذوا بأيديهم إلى مواطن مرضاة الله وسعادتهم الأبديّة ؟!
ذلكم كان الإمام الحسين صلوات الله عليه، نهض لله تبارك وتعالى غَيرةً على دِين الله وإنقاذاً له، ورحمةً بعباد الله وتخليصاً لهم من الظلم والفساد والانحطاط والعاقبة السُّوأى، فتقدّم لا ليحارب، ولا ليقتل أو يُقاتِل، وإنّما تقدّم لينصح ويَعِظ الناسَ جميعاً حكّاماً ومحكومين، وتقدّم ليحاور ويخطب فيهم وقد ألجؤوه إلى ساحة القتال بعد أن ائتمروا به ليقتلوه، واتّفقوا عليه ليغدروا به أو يُسْلِموه، فكان مِن إبائه وعزّته وشجاعته معاً أن دافع عن نفسه مظلوماً، يقدّم القرابين الشريفة بين يَدَي ربّه عزّوجلّ، وكان أشرفها نفسه المقدّسة مطمئنّةً راضيةً مَرْضيّة، داخلةً في طاعة الله ومرضاته كما هي مِن قبل.
فكيف يحبس المؤمن دموعَه عن كلّ هذه المُثُل العليا التي ظُلِمت، وقُوبلت بهَتْك الحرمة وسلّ السيوف الباترة والرماح الغارزة والسهام المسمومة المتشعّبة، اتّجهَتْ إلى مَن أراد لهم خيرَ الدنيا والآخرة، ومَن لم يفتأ عن النصيحة والموعظة الحسنة وهو في ساحة النزال، وبين جولات القتال! وكيف لا يبكي صاحب الشعور البشريّ، إلاّ إذا كان قلبُه قَد قُدّ مِن صَخْرٍ أو حَجَر، أو قد تبلّدت عواطفه فانحطّت حتّى عن الحيوانيّة وعن الجماديّة، فأصبح ممَّن وُصِفُوا أنّهم من الأنعام أضلُّ سبيلاً!
إنّ العوالمَ قد بكت لسيّد الشهداء، كلَّ العوالم، فحَقَّ لكل إنسانٍ أن يبكي لذلك المشهد العظيم، ذي الخَطْب الجسيم، حتّى لو لم يكن مسلماً، ولم يَنْوِ ثواباً وأجراً من الله تبارك وتعالى، فإنّه يحقّ له أن يُطْلق روحه الإنسانيّة ليضمن كرامتها أنّها تشعر وتتفاعل وتُحسّ وتتأثّر، وتحظى بالعاطفة الطيّبة.
ولقد قال الشاعر مُحقّاً:
قد أوهَنَت جَلَدي الدِّيارُ الخاليةْ
مِن أهلِها، ما لِلديارِ ومالِيَهْ ؟!
ومتى سألتُ الدارَ عن أربابِها
يُعِدِ الصَّدى منها سؤاليَ ثانية
كانت غياثاً للمَنوب، فأصبَحَتْ
لجميعِ أنواع النوائبِ حاوية
ومَعالِمٌ أضْحَت مآتمَ لا تُرى
فيها سوى ناعٍ يُجاوِبُ ناعية
ولَقَد دَعَوهُ لِلعَنا، فأجابَهُم
ودَعاهُمُ لِهُدىً، فَردُّوا داعيَهْ
قَسَتِ القلوبُ فَلَم تَمِلْ لِهِدايةٍ،
تَبّاً لِِِهاتيكَ القلوبِ القاسية!
ما ذاقَ طعمَ فُراتِهِم حتّى قضى
عَطَشاً، فَغُسِّل بالدماءِ القانية!!
يا آبنَ النبيِّ المصطفى ووصيِّهِ
وأخا الزكيِّ آبنَ البتولِ الزاكية
تَبكيكَ عيني لا لأجل مَثُوبةٍ
لكنّما عيني لأجلِك باكية
تَبْتَلُّ مِنكُم كربلا بدمٍ ولا
تَبْتَلُّ مني بالدموعِ الجارية ؟!
أنْسَت رزيّتُكم رزايانا التي
سَلَفَت، وهَوَّنَتِ الرزايا الآتية
وفجائعُ الأيّامِ تبقى مُدّةً
وتَزول.. وهيَ إلى القيامةِ باقية

( الدرّ النضيد في مراثي السبط الشهيد، جمع: السيّد محسن الأمين:357 ـ 358، والقصيدة للشيخ عبدالحسين الأعسم رحمه الله )

Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.