الواجهة » الإسلام » التاريخ الإسلامي » سَفَرٌ.. عَبرَ التاريخ
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


سَفَرٌ.. عَبرَ التاريخ

بحثاً عن الأوائل، واكتشافاً لأصحاب البدايات


السفر الأوّل
احمد: هلُمّي يا إلهام نسافر عبر الماضي.. لنرصد البدايات: بدايات أعمال، وبدايات أفكار انطلقت في تاريخ الإنسان.
الهام: أتراك تريد رصد الصالح من هذه الأعمال والأفكار يا أخي ؟
احمد: الأفكار والأعمال الصالحة والطالحة معاً، الخيّرة والشرّيرة على السواء، البانية والهدّامة. هذه كلّها هي ما نريد أن نسافر إليه!
الهام: لكنْ.. لكن ما قصدُك من وراء هذا السفر ؟ إنّه سفر عكسيّ في أغوار التاريخ!
احمد: سوف نُبصر يا أختاه الخيوطَ المجدولة مع الزمن.. الخيوط التي شاركتْ في تكوين حاضر الإنسان، لأنّ...
إلهام ( تقاطعه ): وكيف شارك الماضي في تكوين الحاضر يا أحمد ؟
احمد: تعرفين.. أن وقائع الحاضر ـ في جانب منها ـ هي ثمرة من ثمرات الماضي وأثر من آثاره. وقائع الحاضر كانت كامنة في خمائر الماضي.. تماماً كما تكمن في خمائر الحاضر وقائعُ مستقبل الإنسان.
الهام: هذا رائع.. إذن هيّا نَمضِ في رحلتنا التاريخية الشيّقة لاكتشاف الينابيع، والتعرّف على الأوائل وأصحاب البدايات!
الهام: .. لقد رجعنا كثيراً في أغوار التاريخ! أين نحن الآن يا أخي ؟
احمد: نحن الآن في أول عصر الرسالة الإسلاميّة.. وبشكل دقيق: نحن الآن ـ جغرافيّاً ـ في مدينة مكّة.
الهام: في مكّة ؟! وهل ترى في هذه المدينة بداية من البدايات التي تبحث عنها ؟!
احمد: البدايات هنا كثيرة. البدايات تكشف عن بدء زمان جديد. جديد في الرؤية والفهم، وجديد في الممارسة والعمل. لكنه في الوقت نفسه زمانٌ صعب.. زمانُ صبر وكدح ومعاناة.
الهام: طيّب.. ولكنْ ألا تريد أن نتابع بداية واحدة من بدايات العصر الإسلامي الجديد في مكّة ؟!
احمد: بلى، سنتابع بدايةً لعبد الله بن مسعود.
الهام: عبدالله بن مسعود ؟! من هو ابن مسعود هذا ؟!
احمد: هو واحد من خيرة أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله. مِن قُرّاء القرآن وحمَلَته المشهورين. أسلم بمكة في أيّام المحنة والاضطهاد، وكان ابن مسعود جريئاً صادق الإيمان.. في جو مكة الذي كانت تتسلّط عليه قوى الجاهلية العاتية السوداء.
الهام: ولكنْ.. أين هي هذه البداية التي افتتحها هذا الرجل ؟ يبدو لي أنّ هذه البداية لابد أن تكون صالحةً خيّرة.. وشاقّة في نفس الوقت!
احمد: هي كذلك يا أختي. لقد جَهَر رسولُ الله صلّى الله عليه وآله في مكّة بالقرآن، وأعلن للناس الرسالة الإلهية الهادية يؤازره عليّ عليه السّلام ويتبعه كظلّه. وبعدَهما كان عبدالله بن مسعود أوّل مَن جَهَر بالقرآن.
الهام: وكيف كان ذلك.. يا أحمد ؟
احمد: اجتمع أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله في أواخر أيام الكتمان في مكّة، ولم يكن قد أعلن القرآنَ غير صوت النبيّ وصوت نصيره الأول عليّ بن أبي طالب.. فقال الصحابة المجتمعون آنذاك: واللهِ ما سمعتْ قريش بهذا القرآن يُجهَر لها به قَطّ ، فمَن رجُلٌ يُسمِعُهُموه ؟
الهام: رائع.. وظرفٌ حسّاس! إنّ البذرة تريد أن تَنشَقّ تمهيداً للإنبات الخصيب!
احمد: حينئذٍ قال ابن مسعود: أنا ذاك.
الهام: وهل فَعَل حقّاً ؟
احمد: هؤلاء الصحابة قالوا له: إنّا نخشاهم عليك. إنما نريد مَن له عشيرة يمنعونه.
الهام: أوَ ليس لابن مسعود عشيرة قوية تحميه ؟
احمد: كلاّ.. ولكنه رغم ذلك أصرّ على الانطلاق بالقرآن في ظلام الجاهلية الرهيب.
الهام: وماذا.. وماذا حدث لابن مسعود ؟
احمد: قال عبدالله بن مسعود: دَعُوني، فإنّ الله سيمنعني ويحميني.
الهام: يا للإيمان..!
احمد: في وقت الضحى دخل ابن مسعود المسجدَ عند مقام إبراهيم عليه السّلام، وقريش في أنديتها واجتماعاتها للحديث.. واللهو.. والتجارة. عندئذ وقف عبدالله قائماً بقامة منتصبة مديدة، وصوتٍ رفيع جهير.. وأخذ يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ـ رافعاً بها صوته ـ الرحمن.. عَلَّمَ القرآن... « تشابَهَتْ . واستمرّ يقرأ بنبرةٍ قوية واثقة سورةَ الرحمن.
الهام: وكيف استقبلت قريش هذا الحديث المفاجئ الغريب ؟!
احمد: في أول الأمر لم يفهموا ما كان يجري.. أخذوا يتساءلون بينهم: ما يقول ابنُ أُمّ عَبْد ؟! يقصدون ابن مسعود. ثمّ أدركوا أنّه يقرأ شيئاً ممّا يُبشّر به رسول الله محمّد صلّى الله عليه وآله. أدركوا أنّه يتحدّى كبرياءهم بقراءة القرآن علناً في المسجد الحرام.
الهام: وماذا فعلوا بعد هذا ؟
احمد: قاموا إليه وقد أخذتهم عصبية الجاهلية.. وراحوا يضربونه في وجهه ضرباً شديداً، في محاولة لمنعه والتنكيل به في نفس الوقت.
الهام: جزى الله ابنَ مسعود خيراً!
احمد: أتظنّين يا إلهام أن هذا الرجل كفّ وهو يُضرَب عن الجهر بكلام الله ؟! استمرّ في إبلاغ القرآن.. واستمرّ حتّى قرأ من سورة الرحمن ما شاء الله. ثمّ انصرف وقد أثّر الضرب في وجهه.. وذهب تلقاء أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله.
الهام: وكيف استقبلوه وهو على هذه الحال ؟
احمد: قالوا له: هذا الذي خَشِينا عليك! غير أن ابن مسعود بادَرَهم بالقول: ما كان أعداءُ الله أهوَنَ علَيّ منهم اليوم! لئن شئتُم لأُغاديَنَّهُم غداً بمِثلها!
الهام: يالَلشجاعة والإصرار!
احمد: الواقع أن المسلمين اكتفَوا منه بما فَعَل، وقالوا: لا يا عبدالله.. حَسبُك، فقد أسمعتَهُم ما يكرهون.
الهام: رحم الله ابن مسعود.. لقد أعان على انشقاق البذرة الصالحة، لتنغرس جذورُها في الأعماق.. ولتمتد بعدئذٍ غصونُها فوق الأرض التي يسكنها الإنسان.
الهام: إلى أين يا أخي ؟ أراك تمضي في رحلتك باتّجاه القرن الهجريّ الأول!
احمد: هو كذلك يا إلهام. وصلنا إلى القرن الأول.. ولكنْ ما بال الحزن يملأ الآفاق ؟!
الهام: وهذه الحمرة المكتئبة التي صَبغت كلّ شيء ؟! كأنّنا لسنا في جو الكوكب الأرضي!
احمد: إنّي لأشمّ رائحة الدم.. وأسمع صراخ الدم. دمٌ مقدس مسفوك.. ودمٌ متألّه مظلوم مُستباح!
الهام: آه.. إنّي لأحسّ بأحزان داخلية بعيدة الغَور، إنّ شيئاً رهيباً صاعقاً قد حَدَث على الأرض!
احمد: انظُري.. انظُري، نحن الآن في سنة 61 الهجرية!
الهام: وما ذلك الطريق الذي يلوح، وقد سلكته إحدى القوافل ؟
احمد: إنه الطريق الصحراوي الطويل بين كربلاء والكوفة ودمشق.
الهام: أرأيت أولئك الجند المُدَجَّجين بالسلاح ؟ أوه.. إنّ منظرهم يوحي بالإثم والجريمة والجهالة السوداء!
احمد: كأنّهم ينتمون إلى الذين أدمَوا وجه ابن مسعود في مكة برابطة قُربى!
الهام: موقف أولئك وهؤلاء واحد.. تشابَهَتْ قُلوبُهُم ، وتشابهت منطلقاتهم وأهدافهم. هؤلاء من قتلة سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن عليّ عليه السّلام سبطِ رسول الله صلّى الله عليه وآله وحبيبه.
احمد: ويلاه.. إنّ رأسه القدسي المنوّر هو ذلك الذي يحملونه معهم إلى الشام على رأس رمح طويل! واحسيناه.. وامظلوماه!
الهام: يا أُمّةَ السوء التي ضاعت بعد نبيّها
احمد: وهذه أيضاً بداية من البدايات. رأس أبي عبدالله الحسين هو أول رأس يُرفَع على رمح. هذه أول مأساة من نوعها تحدث في الإسلام.
الهام: وهي يا أحمد إدانة شنيعة للذين تسلّطوا من بني أمية على رقاب المسلمين، وأرادوا اجتثاث الإسلام الأصيل من الجذور، ليخلو لهمُ الجو فيحكموا حكم الجاهلية كما يريدون.
احمد: إنّها الأحقاد القديمة.. أحقاد بدر وحُنين.. أحقاد الجاهلية الموتورة.
الهام: أمَا.. أمَا تسمع يا أخي ؟ مَن ذلك الذي يُنشد شعراً كلّه حزن ورثاء ؟
احمد: ها.. ؟ أجل رأيته، وبدأت أسمع ما يقول: إنه عُقبة بن عمرو. وعُقبه هذا أيضاً صاحب بداية، فهو أول مَن قال من الناس شعراً في رثاء الحسين الشهيد.
الهام: أيضاً دَعنا نُنصت لهذا الشعر المتفجّع الحزين..
احمد: اسمعيه يقول:

إذا العَينُ قَرّت في الـحياةِ، وأنتمُ تخافونَ فـي الدنيا.. فأظلَمَ نورُها
مرَرتُ على قبـر الحسينِ بكربلا ففاضَ عليه مِن دُمـوعي غزيرُها

الهام: هذا من الشعر الذي سيخلد يا أخي في الزمان.
احمد: لأنّ ذِكر الحسين عليه السّلام محلِّقٌ دائماً فوق الزمان والمكان.
الهام: أراك واجماً يا أحمد، كأنّك لا تريد المسير!
احمد: كربلاء.. ما زالت أجراسها الثاكلة تدقّ في رأسي.. ودماء آل الرسول الزكية لا تفارق حُمرتُها عيني.
الهام: أفجع مأساة في تاريخ العالَم.. لكنّ التاريخ اصطبغ بعدئذ برايات ( ثارات الحسين ) عليه السّلام.
احمد: نعم.. نعم. إذَن هيّا نتقدم في أطواء التاريخ إلى الأمام قليلاً لنصل إلى الكوفة وهي في سنة 65 الهجرية.
الهام: هي ذي الكوفة المدينة العجيبة: الخاذلة التي تريد أن تتوب!
احمد: هنا الآن في الكوفة ينطلق لأول مرة في التاريخ هتاف « يا لَثاراتِ الحسين ».
الهام: دَعنا نقترب يا أخي لنتملّى المشهد بوضوح.
احمد: هذا سليمان بن صُرَد الخُزاعي زعيم التوّابين وقائد الثورة في عام 65 هـ، بعد واقعة كربلاء بوقت قصير.. إنه يستجمع الطاقات ويعدّ جيشه للثورة على السلطة الأموية اللابسة عباءة الإسلام اغتصاباً.
الهام: وها هم الناهضون للتوبة الثورية.. وهم يردّدون قوله تعالى: فتُوبا إلى بارئكم فاقتُلوا أنفسَكم، ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم، فتابَ عليكم.. إنّه هو التوّابُ الرحيم .
احمد: لقد جمع سليمان وجوه أصحابه في ليلة كانوا قد تواعدوا فيها من قبل، للتحرك طلباً لثأر سيد الشهداء.
الهام: وأيّ ليلة هي هذه ليلة التواعد ؟
احمد: الليلة الأولى من شهر ربيع الثاني عام 65 هـ.
الهام: حسناً.. وماذا بعد ؟
احمد: لمّا وصل سليمان إلى معسكر جيشه لم يجد في جيشه العددَ الكافي لإعلان الثورة.. فماذا عَمِل ؟ بَعَث اثنين من قادة جيشه ـ على رأس كوكبة من الفرسان ـ إلى الكوفة لتحريض أهلها على الثورة والالتحاق بالثائرين.
الهام: أجل يا أخي.. الفُرسان يدخلون مدينة الكوفة ومسجدَها الأعظم.. وقد جَلجَلت أصواتهم في سماء المدينة وشوارعها بنداء « يا لَثارات الحسين ».
احمد: رحم الله سليمان بن صُرَد.. ورحم الله الثائرين معه في طريق التوبة من خطيئة التخلّف عن نصرة الإمام أبي عبدالله الحسين.
الهام: دوّامة الزمن تحملنا الآن مُسرعة إلى الخلف.. فإذا نحن في أرض فلسطين أيّام النبيّ عيسى بن مريم عليه السّلام.
احمد: ما دُمنا قد وصلنا إلى هنا ياإلهام.. ما رأيك لو نتعرّف على أول ما خاطب به عيسى قومَه من مضامين رسالته ؟
الهام: حُبّاً وكرامة.. وإنّه لَشائقٌ لي أن أستمع إلى أول ما حدّث به المسيح بني إسرائيل من عباراته الرقيقة.
احمد: قال لهم يعلّمهم كيف يتخلّون عن صفات الطمع والتكاثر المادي والكذب ويدعوهم إلى كرامة التعبّد، قال: طُوبى للمساكين القانعة قلوبُهم عند ربّهم، يَحِقّ لهم أن يدخلوا ملكوت السماء. طُوبى للجِياع العطاش في طاعة الله. طُوبى للصادقين في قولهم، التاركين للكذب.. الذين هم مِلحُ الأرض ونور العالَم!
الهام: يا لَها من عبارات عذبة رقيقة مُبصِّرة! جَعَلنا الله من ملح الأرض ونور العالَم.
احمد: أتدرين يا إلهام أنّي كنت قد قرأت هذه العبارات ـ في زماننا ـ في كتاب تاريخ اليعقوبي، نقلاً عن إنجيل مَتّى ؟
الهام: رائع.. يا أحمد، لكني أسمع عباراته هذه للمرة الأولى.
احمد: نمضي قُدُماً في الزمان، وها نحن نصل إلى السنة الثامنة والعشرين الهجرية.. وهذه جزيرة قبرص!
الهام: وماذا تتصوّر أن نجد الآن في هذه الجزيرة من البدايات ؟
احمد: في هذه السنة حدث غزو قبرص مِن قِبل المسلمين. وكان في الجيش أُمّ حَرام بنت مَلْحان الأنصارية...
الهام: آه.. إنّها إذَن المرأة التي كان رسول الله صلّى الله عليه وآله قد أخبرها في حياته أنّها أول مَن يغزو في البحر!
احمد: أجل.. أجل، ولكنّ الذي حدث لهذه المرأة الأنصارية بعد فتح قبرص أنّها كانت راكبةً بغلة.. وفجأةً ألقَتْها بغلتُها على الأرض، فاندقّت عُنُقها.. وماتت!
الهام: إنّك ماهر في التقاط نوادر الأخبار.. أيّها الغائص في التاريخ! فهل لديك مزيد من الأخبار الطريقة الجديدة ؟
احمد: سنمرّ في هذا السفر بأول حاكم عَمِل مقصورة في المسجد ليجلس فيها ويحتجب بها عن الناس.
الهام: أظن أنّي أعرف اسم الذي ابتدع هذه البدعة من المتسلطين، إنّه...
احمد: أوّل من عمل المقصورة بالمدينة المنوّرة هو مروان بن الحكم الأموي.. صنعها سنة 44 هـ واحتجب بها عن المحكومين استكباراً وتَرَفاً.
الهام: ولكني أدري أنّ أول من اتّخذ المقصورة هو معاوية بن أبي سفيان!
احمد: هذا صحيح أيضاً؛ معاوية أول من احتجب عن المسلمين بالمقصورة في الشام أيام حكمه. ومروان أول من ابتدعها في مدينة النبيّ.. وفي مسجد النبيّ!
الهام: إذن من هنا صار احتجاب الحاكم عن المحكومين سُنّة سيئة أخذ يمارسها الحاكمون طيلة تاريخ المسلمين!
احمد: ما دُمنا في الحديث عن مُبتدعات الحكّام المتسلطين.. دَعينا إذَن نتّجه صوب القرن الرابع الهجري، لنتعرّف على لقب من ألقاب التفخيم الذي اتخذها بعض الحاكمين.
الهام: أنا معك.. ويسرّني هذا التعرف على الرغم ممّا فيه من ألم!
احمد: محمود الغزنوي.. هو أوّل مَن جَعَل لنفسه لقب ( السلطان )، ولم يُلقَّب به ـ فيما أعرف من التاريخ ـ أحدٌ قبله.
الهام: أمَا وقد مررنا بألقاب التفخيم والتعظيم التي اتخذها المتسلطون.. فإنّ لديّ معلومة في هذا الموضوع من أيام هولاكو!
احمد: هيّا إذن نمضي نحو أيام هولاكو.
الهام: هولاكو سَنّ سُنّةً أخرى في ألقاب الحاكمين، وابتدع لقباً خاصّاً لم يُسبَق إليه.
احمد: أتَعنين... ؟
الهام: لقب ( الخان ). ومعناه في لغتهم: الملك، أو سيّد القبيلة.. فكان هو أول من حمل هذا اللقب لتعظيم نفسه.
احمد: تعيس هو الإنسان الصغير الذي يحاول « تكبير » نفسه ولو بالألفاظ.. ولو بالأوهام!
الهام: والآن.. دَعْنا يا أحمد من حديث الناس.. هل تعرف شيئاً غير هذه الأحاديث ؟
هل لديك أخبار.. مثلاً عن بدايات حول الصناعة أو الزراعة أو نشأة المدن ؟
احمد: سؤالك جاء في وقته. نحن نسافر الآن باتجاه مدينة ( عَبّادان ).
الهام: عبادان زماننا نحن ؟!
احمد: كلاّ.. بل في زمنٍ سابق.. انظري: هذه عبّادان في النصف الأول من القرن الهجري الأول.. في أيام فتحها.
الهام: بالمناسبة.. هل اسم عبّادان كان علَماً لهذه المدينة قبل أن تُفتَح ؟
احمد: هذا هو الموضوع الذي نريد الاطلاع عليه في هذا السفر. وأقول لكِ إنّها منسوبة إلى « عبّاد بن الحُصَين ».
الهام: ومَن عبّاد بن الحصين هذا ؟
احمد: هو أوّل مَن رابَطَ عسكرياً في هذه المدينة.. ولذلك سُمّيت باسمه.
الهام: لابدّ أن يكون لعباد هذا شأن حتّى يُطلق اسمه على المدينة!
احمد: كما تقولين.. يكفي أن نسمع أحد معاصريه يقول بشأنه: ما ظننتُ أن رجلاً يقوم مقام ألف حتّى رأيتُ عبّادَ بن الحصين. وكان هو السبب الأعظم في فتح ( كابُل ).
الهام: جيّد.. لكن كيف يكون النسب إلى عبّاد: ( عبّادان ).. بالألف والنون ؟
احمد: كانت علامة النسب عند أهل البصرة في ذلك الزمان هي الألف والنون.
وفي البصرة مواضع كثيرة من هذا القبيل.. ذكرها البلاذري في كتابه ( فتوح البلدان ).
الهام: صحيح.. صحيح. وأنا أعرف مناطق بالبصرة في زماننا تنتهي أسماؤها بالألف والنون. منها: ( حَمدان ) و ( يُوسْفان ).
احمد: إذن كلامك يؤيّد صحة نسبة عبّادان إلى عبّاد بن الحُصَين.
الهام: سفرة ممتعة.. ما رأيك لو نواصل إبحارَنا في مجاهيل الزمان ؟
احمد: هي ممتعة حقّاً.. لكن الأفضل أن نعود الآن إلى الحاضر.
الهام: كما تحبّ، لكنْ على أمل الاستعداد لسفرة أخرى عبر التاريخ.
احمد: لا مانع. سوف نسافر ونطّلع إطّلاعة مفيدة، بإذن الله.
الهام: وفي وقت قريب..
احمد: أنا دائماً على أُهْبة الاستعداد.

   1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 الصفحة اللاحقة »»  

1 ـ لاهُمّ: مخفّفة عن: اللهمّ.
Copyright © 1998 - 2014 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.