الواجهة » الإمام الرضا » ولاية عهده » ولاية العهْد
   خدمات
   شُرفة خضراء (هذا الموقع)
   قاموس مصطلحات الموقع
   مناسبات خاصة
   وقائع و أعمال الشهور القمرية
   المكتبة الصوتية والمرئية
   مواقع اسلامية
   الأنواء الجوية (مدينة مشهد)
   مدينة للصغار
   ألبوم الذكريات
   بحث في الموقع


ولاية العهْد

سوابق ولاية العهد
بعد أن قتل المأمون أخاه الأمين.. نظر إلى البلاد فإذا هي غير مستقرّة، ووجد معظم المسلمين لا يدينون بالطاعة له، بل رأى ثورات العلويّين تشتعل هنا وهناك بين الحين والآخر. ففي الكوفة خرج أبو السَّرايا، وفي البصرة خرج زَيدُ النار وعليُّ بن محمّد، وفي مكّة خرج محمّد الدِّيباج، وفي اليمن إبراهيم بن موسى الكاظم عليه السّلام، وخرج محمّد بن سليمان في المدينة، وفي واسط والمدائن وغيرهما خرج في وجه السلطة العبّاسيّة من يطالب بإسقاطها.
هذا، إضافة إلى ما حدث في الأسرة العبّاسيّة من انشقاقات وتنازعات، فامتنع بعضهم عن مبايعة المأمون، لا سيّما بعد أن علموا منه ما يريد بولاية العهد، فعمدوا إلى المغنّي العبّاسي إبراهيم بن المهديّ المعروف بـ « ابن شَكْلَة » فأمّروه عليهم؛ نكايةً بالمأمون.
كان أمام المأمون مهامّ كثيرة وثقيلة، واعترضته أمواج عنيفة تهدّد حكمه من كلّ الجهات، وأراد في البدء تخفيف الضغط العلويّ عليه، فخطرت في ذهنه فكرة عرض الخلافة ثمّ ولاية العهد على الإمام عليّ بن موسى الرضا سلامُ الله عليه قاصداً إلى إنقاذ نفسه من الطوق الخانق لسلطته، لعلّه:
1. يُخمِد ثورات العلويّين أو يحصل منهم على اعتراف بشرعيّة حكمه.
2. أو يستأصل احترام الناس لهم بأساليبه الخاصّة.
3. ويكتسب ثقة العرب، مع الاحتفاظ بتأييد الخراسانيين وعامّة أهل بلاد فارس له.
4. ولعلّه يستطيع ـ واهماً ـ أن يأمنَ الخطر الذي يشعر به من تواجد الإمام الرضا عليه السّلام بين الناس وهو يُؤثّر فيهم أبلغ تأثير.. وأن يمّهد ـ بعد فرض الإقامة الجبريّة والرقابة المشدّدة عليه ـ للتخلّص منه بأُسلوب ماكر.

حيرة المأمون
في تلك المرحلة.. وجد المأمون أنّه لا يستطيع إنقاذ الموقف بأسلوب القسوة والعنف، وقد أخذ يعاني من نتائج هذا الأسلوب بعد قتله أخاه الأمين.
كما لا يستطيع ذلك بالمنطق والاحتجاج، وهو يعلم قبل غيره وأكثر من غيره أنّ السلطة العبّاسيّة لا تمتلك أيّة شرعيّة في تسلّطها على الناس.. وهي منذ خطوتها الأُولى قد لجأت إلى الخدعة، ثمّ جرّدت السيف على رقبة كلّ معترض. وإذا كان الجوّ مهيّئاً للاحتجاج فالعلويّون أملَكُ للدليل، والإمام الرضا عليه السّلام أشهَرُ في أحقيّته بالخلافة، فهو وريثها بالحقّ وبالنقل والسيرة، وغيره متّهم بالعجز والادّعاء والاستلاب والغصب.
من هنا أخذ المأمون يفكّر في خطّة غريبة من نوعها، تكون بنظره في غاية الإحكام والإتقان. وقد تخبّط في دعواه الوفاق المذهبيّ، ثمّ راح يعلن براءة ذمّته من أعداء أهل البيت عليهم السّلام، ثمّ همّ بهذه الخطوة العجيبة: أخْذُ البيعة للإمام عليّ الرضا عليه السّلام بولاية العهد بعده، وجعلُه أمير بني هاشم جميعاً عبّاسيِّهم وطالبيِّهم، ولبس الثياب الخُضر.
هكذا.. بعد أن رأى أنّه لن تنقاد له الرعيّة ولا القوّاد، ولن تستقيم الأمور إلاّ إذا أقدم على تلك اللعبة الجريئة. أجل، جريئة ولكنّها تضمر خبثاً يُستعمل عند اليأس، لضمان النتائج. يقول المأمون للريّان بن الصَّلت: ويحك يا ريّان! أيَجسُر أحدٌ أن يجيء إلى خليفة وابن خليفة قد استقامت له الرعيّة والقوّاد، واسَتَوت له الخلافة، فيقول له: إدفع الخلافة من يدك إلى غيرك ؟ أيجوز هذا في العقل ؟! (1)
إذن، وراء عَرضه الخلافة ثمّ ولاية العهد خطّة لا تضرّ المأمون كثيراً إذا كان مصمّماً على التخلّص من وليّ العهد بأساليبه الخاصّة.

أهداف البيعة
كان المأمون يتطلّع إلى الأهداف الآتية:
الهدف الأوّل: أن يأمَنَ خطرَ الهاجس المتأتّي له من وجود الإمام عليّ الرضا عليه السّلام، الذي كانت كتبه تنفذ في المشرق والمغرب، وكان الأرضى للناس: العامّة والخاصّة ـ باعتراف المأمون نفسه. فخشي المأمون إن تركه أن ينفتق عليه منه ما لا يسدّه، ويأتي منه عليه ما لا يطيقه ـ كما قال هو بنفسه.
الهدف الثاني: أن يجعل الإمام الرضا سلام الله عليه تحت الرقابة الشديدة، وعن قرب، من الداخل والخارج، تمهيداً لاغتياله بطريقة خاصّة. فضيّق على الإمام، وكان مَن يقصده لا يصل إليه، ولم يكن الإمام عليه السّلام يتكلّم بشيء إلاّ أوصله هشام بن إبراهيم إلى المأمون وزيره ذي الرئاستين الفضل بن سهل (2).
ومن هنا كان الإمام عليه السّلام يأمر أصحابه بإحراق كتبه بعد أن يقرأوها؛ خشية أن تقع في يد أعدائه والجواسيس المحيطين به.
الهدف الثالث: أن يقطع آمال الشيعة والعلويّين ويشتّت شملهم بعد أن يقطع صِلاتهم بإمامهم، إذ يجعله في عزلة عن الحياة الاجتماعية وبُعدٍ عن الأُمّة. فيكون بذلك قد مهد الأمر للتخلّص من الإمام سلامُ الله عليه إذا علم أنّ الناس قد نسَوه ولم يكن له موقع مؤثّر في قلوبهم.
وقد أُرجع عليه السّلام عن إقامة صلاة العيد مرّتين بعد أن كان قد مشى إليها (3)
وفُرّق عنه تلاميذه؛ كي لا يظهر علمه وفضله بين الناس.
الهدف الرابع: في الوقت الذي أراد المأمون أن يتّقي بالإمام الرضا عليه السّلام سخطَ بني العبّاس، أراد أن يستغلّ عواطف الناس ومحبّتهم لأهل البيت عليهم السّلام، فبولاية العهد هدّد العبّاسيين، وبها أيضاً حاول جذب العلويّين.
وبالنتيجة، يكون في ذلك تقويةُ حكمه وترسيخ دعائمه.
الهدف الخامس: بعد عقد البيعة للإمام الرضا عليه السّلام، يجد المأمون نفسه جريئاً على ادّعائه ـ كما ثبّت ذلك في وثيقة العهد ـ أنّه لم يهدف إلاّ الخير للأُمّة ومصلحة المسلمين، وأن جميع تصرّفاته لم تكن من أجل الرئاسة ـ حتّى قتله أخاه ـ بل كان يريد المصلحة العامّة. وها هو يعرض الخلافة على الإمام الرضا عليه السّلام متظاهراً بالتنازل عنها إلى أهلها ومَن هو أحقّ منه بها.
الهدف السادس: إخماد ثورات العلويّين في جميع الولايات والبلدان، ومحاولة الحصول على ثقة بعضهم من البسطاء وهم يرَون المأمون يعرض على إمامهم الخلافة ثمّ ولاية العهد، ويُظهر له الاحترام والإجلال، وهم لا يعلمون ما ينطوي عليه قلبه من الحسد والحقد، وما تضمر نفسه من الخبث والغدر.
الهدف السابع: من مظاهر البيعة للإمام الرضا عليه السّلام، أراد المأمون أن يُوهم الناسَ أنّه يقف على رأس السلطة بإقرار شرعيّ وسِمة دينيّة، واعتراف ضمنيّ من الجهة المناوئة له. فيكون وضعه شرعيّاً وتصرّفاته مرضيّة وحكمه حصيناً.
الهدف الثامن: إذا هدأت الثورات المعارضة أو خمدت، يكون المأمون قد حقن دماء العبّاسيّين، وانقادت له الأقاليم، واستقرّت له السلطة. ويكون بذلك قد مهّد الأجواء لتنفيذ القسم الثاني ـ والأهمّ ـ من خطّته الغادرة، بعيداً عن الشكوك والشبهات والتُّهم، وهي: القضاء على العلويّين من خلال القضاء على إمامهم وأعظم شخصيّة مؤثّرة عليهم.
هذا، إذا لم يكن لمحاولاته من تضعيف شخصيّة الإمام الرضا عليه السّلام اجتماعيّاً وعلميّاً أثرٌ واضح. فقد حاول بثّ الشبهة القائلة بأنّ الإمام عليه السّلام لم يكن له قضيّة دينيّة، بل كان يطلب الحكم وقد رضي بالمنصب وأهمل الناس. مع أنّ المأمون كان يمارس الضغوط على الإمام عليه السّلام، ويفرض عليه بالتهديد ما يريد، ويحجب مُريديه عنه بدعوى المحافظة عليه من القتل!
ثمّ طلب المأمون من المتكلّمين والمخالفين وعلماء النصارى واليهود والصابئة وأصحاب الفرق والطوائف أن يحاججوا الإمام الرضا عليه السّلام لعلّهم يُحرجونه في مسألة، فيذهب بهاؤه من أعين الناس ويأفل نجمه! وإذا بالإمام سلام الله عليه يُرديهم صَرعى مخذولين في مجالس الاحتجاج والمناظرة، فأسلم بعضهم، واستسلم البعض الآخر، واختار الباقون الفرارَ أو السكوت المُذلّ.. تاركين المأمون في حَيرةٍ كبرى وأسف مرير وخيبةٍ لا تُعالَج.
وقد أدرك العلويّون خطّة المأمون، فبدأوا يتمرّدون عليه، ويبعثون الرسائل يفضحون فيها وقيعته وغدره بالإمام الرضا سلام الله عليه. من ذلك ما كتبه عبدالله بن موسى وقد استدعاه المأمون يُغريه بالأمان ويضمر له القتل:
كأنّك تظنّ أنه لم يبلغني ما فعلتَه بالرضا! (4)

المواجهة
رأينا كيف أراد المأمون من لعبته تلك التغلبَ على المشاكل التي كان يواجهها، والاستفادة منها في تقوية دعائم سلطته. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما هو موقف الإمام أبي الحسن الرضا عليه السّلام من لعبة المأمون تلك ؟
كما نعلم.. أنّ المأمون عَرضَ الخلافة على الإمام الرضا سلام الله عليه، لكنّه عليه السّلام رفض قبولها أشد الرفض. وبقي المأمون مدّةً يحاول إقناعه فلم يُفلح، حتّى استمرّ ذلك في « مَرْو » وحدها أكثر من شهرين والإمام يأبى عليه ذلك (5).
أكثر من هذا، أنّ الإمام عليه السّلام أجابه بما يكره، فقد قال له المأمون: يا ابن رسول الله، قد عرفتُ فضلك وعلملك، وزهدك وورعك وعبادتك، وأراك أحقَّ بالخلافة منّي.
أجابه الإمام عليه السّلام قائلاً: بالزهد بالدنيا أرجو النجاة من شرّ الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله.
قال المأمون: فإنّي قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك، وأُبايعك.
فقال الإمام عليه السّلام له: إن كانت هذه الخلافة لك فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسَكَه الله وتجعلَه لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز أن تجعل لي ما ليس لك.
قال المأمون: لابدّ لك من قبول هذا الأمر.
فقال عليه السّلام: لستُ أفعل ذلك طائعاً أبدا.
فما زال المأمون يحاول أيّاماً حتّى يئس من قبوله (6).
وتنوّعت المحاولات وتعدّدت.. إلاّ أنّها باءت جميعها بالخيبة. وكان المأمون قبل ذلك يكاتب الإمام الرضا عليه السّلام وهو بالمدينة ويُلحّ عليه بالقدوم إلى « مَرْو » والإمامُ يمتنع حتّى علم أنّه لا يكفّ عنه ولا يتركه. فلمّا استدعاه وجاء إلى مرو أخذ يتهدّد الإمامَ بالقتل، تارةً تلويحاً وتارةً تصريحاً، والإمام يأبى قبول ما يعرضه عليه، إلى أن علم أنّ المأمون لا يكفّ عنه، وأنّه لا محيص له عن القبول وإلاّ فالأمر بلغ إلى القتل، فقبل عليه السّلام ولاية العهد مُكرَهاً ـ وهو حزين ـ وذلك في السابع عشر من شهر رمضان سنة 201 هجريّة.
يقول أبو الفرج الإصفهانيّ: أرسل المأمونُ الفضلَ والحسنَ ابنَي سهل إلى عليّ بن موسى فعرضا ذلك ( يعني ولاية العهد ) عليه فأبى، فلم يزالا به وهو يأبى ذلك ويمتنع منه إلى أن قال له أحدهما: إن فعلتَ ذلك، وإلاّ فَعَلنا بك وصَنَعْنا. وتهدّده، ثمّ قال له أحدهما: واللهِ أمرني ( المأمون ) بضرب عنقك إذا خالفتَ ما يريد! ثمّ دعا به المأمون وتهدّده فامتنع، فقال له قولاً شبيهاً بالتهديد (7).
وقال له المأمون بعد رآه يأبى: يا ابن رسول الله، إنما تُريد بذلك ( يعني بما أخبره عليه السّلام عن آبائه من شهادته قَبلَه مسموماً، فلا معنى لولاية عهد تُوكل إلى من يُتوفّى قبل الحاكم ) التخفيفَ عن نفسك ودفع هذا الأمر عنك، ليقول الناس: إنّك زاهد في الدنيا!
فقال الرضا عليه السّلام: واللهِ ما كذِبتُ منذ خَلَقني ربّي عزّوجلّ، وما زَهِدتُ
في الدنيا للدنيا، وإنّي لأعلم ما تريد.
فقال المأمون: وما أريد ؟!
قال: الأمان على الصدق ؟ قال: لك الأمان.
قال عليه السّلام: تريد بذلك أن يقول الناس: إنّ عليّ بن موسى لم يزهد في الدنيا، بل زَهِدَت الدنيا فيه، ألا تَرَون كيف قَبِل ولاية العهد طمعاً في الخلافة ؟!
فغضب المأمون وقال له: إنّك تتلقّاني أبداً بما أكره.. فبالله أُقسم: لئن قبلتَ ولاية العهد، وإلاّ أجبرتك على ذلك، فإن فعلتَ وإلاّ ضربتُ عنقَك! (8)

وضع النقط على الحروف
ومن هنا يكون الإمام عليّ الرضا صلوات الله عليه قد ثبّت أموراً عديدة:
1. فضح المأمون في جميع ادّعاءاته، وكشف سرائره ونواياه الخبيثة.. فلو كان حقّاً يُريد أن يتنازل عن الحكم ويرى أنّ الإمام أحقّ بالخلافة لَما عامله بذلك الأُسلوب العنيف، ولَما مارس الطريقة الملتوية في خلع لباس السلطة، وكيف أتاح لنفسه أن يجلس تلك المدّة في مجلس لا يحقّ له ؟! ألم يكن يسمع من قَبلُ بالإمامة يتوارثُها أوصياء رسول الله صلّى الله عليه وآله أباً عن جدّ بنصّ ـ بل بنصوص ـ من الله ونبيّه ؟!
2. أوصل الإمام الرضا عليه السّلام السلطةَ إلى حالة إعلان القتل، ليكون التكليف واضحاً.. وأنّ الإمام سلام الله عليه لم يأتِ إلى مَرْو طوعاً ولا رغبةً في حكم، كما لم يتقبّل: لا الخلافة الظاهرية ولا ولاية عهد المأمون طائعاً أو راغباً أبداً.
رُوي أنّ المأمون لمّا عَرَض الخلافة على الإمام الرضا عليه السّلام فأبى، قال له: إذَن، تقبل ولاية العهد. فأبى عليه السّلام أشدّ الإباء، فقال له المأمون: ما استقدمناك باختيارك، فلا نعهد إليك باختيارك. واللهِ إن لم تفعل ضَربتُ عنَقك (9).
كما روي أنّ المأمون لمّا رأى الإمام يأبى، غضب وقال له: قد أمنتَ سطوتي، فباللهِ أُقسم لئن قبلتَ ولاية العهد وإلاّ أجبرتك على ذلك، فإن فعلتَ وإلاّ ضربت عنقك.
فقال الرضا عليه السّلام: قد نهاني الله تعالى أن أُلقيَ بيدي إلى التهلكة، فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك، وأنا أقبل ذلك على أنّي لا أُولّي أحداً ولا أعزِل أحداً، ولا أنقض رَسماً ولا سُنّة، وأكون في الأمر من بعيد مُشيراً. فرضي منه ( المأمون ) بذلك، وجعله وليَّ عهده على كراهة منه عليه السّلام بذلك (10).
وهكذا يفضح المأمون نفسه، ويُبرّئ الإمامُ عليه السّلام نفسه، وتبقى ولاية العهد لا معنى لها: لا في نظر السلطة، ولا في نظر الناس. فأيّة ولاية عهد تلك والإمام قد أوقف المأمون على أمرٍ رأى نفسه مجبراً.. ألاّ يولّي ولا يعزل، وألا ينقض ؟! بل يكون مشيراً، أي آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، مشيراً إلى الحقّ، رافضاً كلَّ باطل، متنزّهاً عن الخوض فيما تخوض فيه السلطة المنحرفة الظالمة، قادراً في الوقت ذاته على دفع المظالم عن المؤمنين والأبرياء.
3. وبعد أن تكون ولاية العهد قد كُتبت في وثيقة، أخذ الإمام الرضا عليه السّلام يُفرغها من محتواها عمليّاً من جهة، ويُعلن للآخَرين أنّه مُجبَر عليها، وأنّه لم يندمج مع السلطة العبّاسيّة في أيّ شأن من شؤونها من جهة أُخرى.
فسُمع عليه السّلام وهو يقول: قد أُكرهتُ واضطُررت، كما أشرفتُ من عبدالله المأمون على القتل متى لم أقبل ولاية العهد.
وسأله الريّان بن الصلت يوماً عن سرّ قبوله لولاية العهد فأجابه: قد علم الله كراهتي لذلك، فلمّا خُيّرت بين قبول ذلك وبين القتل، اخترت القبول على القتل (11).
وأجاب المشكّكين والحائرين، كيف يقبل الإمام الرضا عليه السّلام ولاية العهد من المأمون الغاصب للخلافة!، قائلاً: ويحَهُم! أما علموا أنّ يوسُف عليه السّلام كان نبيّاً ورسولاً، فلمّا دفعته الضرورةُ إلى تولّي خزائن العزيز قال: اجعَلْني على خزائن الأرض إنّي حفيظ عليم. ودفعتني الضرورةُ إلى قبول ذلك على إكراهٍ وإجبار بعد الإشراف على الهلاك، على أنّي ما دخلتُ في هذا الأمر إلاّ دخولَ خارجٍ منه، فإلى الله المُشتكى وهو المستعان (12).
ولقد استبان بشكل واضح أنّ المأمون كان قد أجبره على ذلك، وحول إجباره تحوم شكوك وتُحتمل خطط شيطانيّة. كما ثبت أنّ الإمام الرضا عليه السّلام كان مجبراً على ولاية العهد ومهدّداً بالقتل إن رفضها، وفي هذا عذرٌ له واضح وهو الإمام المعصوم، يعرف تكليفه الإلهيّ، ولا يتصرّف إلاّ بما يُرضي اللهَ تعالى ويأتي بمصلحة الأمّة وخيرها ونفع الدين والشريعة.
وكان الإمام الرضا صلَواتُ الله عليه قد أوصل المأمونَ إلى حالة جعله يفضح فيها نفسه بنفسه، ثمّ جعله يقبل بأدنى الأمور، فرضيَ من الإمام الرضا عليه السّلام أن يقبل ظاهرَ ولاية العهد وإن أفرغها من مضمونها وتجرّد عن مسؤوليّتها وجعلها قشراً لا يُعتنى به. ولم ينتبه المأمون إلى هذا، حتّى أصبح الأمر الواقعيّ يشير بفشل خطّته، وخيبة محاولاته من تشويه سمعة الإمام عليه السّلام بأنّه ـ حاشاه ـ يرغب في السلطة ويُعطي الشرعية للحكومة العبّاسيّة. بل جاءت النتائج على عكس ذلك تماماً.
هذا، في الوقت الذي خلق وجودُ الإمام عليه السّلام في مرو عاصمة السلطة العبّاسيّة حالة نزاع في الأُسرة الحاكمة وبني العبّاس وحالة خلاف واعتراض، بينما نفذ حبُّ الإمام الرضا عليه السّلام إلى قلوب الناس في بلاد خراسان، وأخذ الناس يتنعّمون بوصاياه الإلهيّة الكريمة وينتفعون من بركاته، ويشاهدون عن قربٍ وعيان دلائل إمامته. بل اتضّح لهم بوجوده الشريف المبارك عن مقارنة واضحة انحطاطُ المأمون وجهله وضعفه (13).
هذا، فيما هيمنت شخصيّة الإمام على المأمون، فجعل المأمون لا يملك نفسه في الثناء عليه في مواقف عديدة، منها في وثيقة ولاية العهد إذ كتب: لم يَزَل أمير المؤمنين ( يقصد نفسه ) منذ أفضَت إليه الخلافة... مختاراً لولاية عهده، ورعاية الأُمّة من بعده، أفضلَ من يقدر عليه في دِينه وورعه وعلمه، وأرجاهم للقيام في أمر الله وحقّه... حتّى استقصى أُمورهم معرفة، وابتلى أخبارهم مشاهدة، واستبرأ أحوالهم مُعاينة، وكشف ما عندهم مُساءلة، فكان خيرته بعد استخارته الله، وإجهاد نفسه في قضاء حقّه في عباده وبلاده، في البيتين جميعاً ( أي بيتَي آل أبي طالب وبني العبّاس ): عليَّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب؛ لِما رأى من فضله البارع، وعلمه النافع، وورعه الظاهر، وزهده الخالص، وتخلّيه من الدنيا.. وقد استبان له ما لم تَزَل الأخبار عنه مُتواطئة، والألسن عليه متّفقة، والكلمة فيه جامعة، ولِما لم يَزَل يُعرَف به من الفضل: يافعاً وناشئاً، وحَدَثاً ومكتهلاً (14).
وفي مجالس الاحتجاج، لمّا كان الإمام الرضا عليه السّلام يجيبُ عن كلّ سؤال ويردّ كلّ شبهة ويفنّد كلّ ضلال.. لم يكن من المأمون إلاّ أن يقول: فرّجتَ عنّي يا أبا الحسن فرّج الله عنك.. لله دَرُّك يا ابن رسول الله! أشهد أنّك ابن رسول الله حقّا.. بارك الله فيك يا ابن رسول الله.. جزاك الله عن أنبيائه خيراً يا أبا الحسن.. بارك الله فيك يا أبا الحسن.. لله دَرُّك يا أبا الحسن! (15)
وكلّ الناس، بالفطرة والبداهة، يعلمون أنّ المُجيب عن كلّ معضلة هو العالِم الذي ينبغي أن يُتّبَع ويُتَوَلّى، وأن السائل الجاهل عن كثير من الأمور هو الأولى أن يكون تابعاً طائعاً له. فظهر فضل الإمام الرضا عليه السّلام وبانَ عجز المأمون، وفهم الناس مَن هو الأولى بالخلافة.
الموقف السابع: أثبت الإمام الرضا عليه السّلام بشكل مباشرٍ وغير مباشر أنّ النظام القائم لا يمتلك شرعيّة دينيّة. وقد اتّضح للناس ذلك من خلال رفضه للخلافة التي عرضها المأمون عليه، لأنّ الجهاز الحاكم جهاز منحرف فاسد. وهذا الرفض يوجّه إصبع الاتّهام إلى السلطة. ثمّ لم يصدر من الإمام سلامُ الله عليه ما يشير ـ ولو من بعيد ـ إلى شرعيّة السلطة أبداً، بل الذي صدر هو العكس، حينما أصرّ الإمام على أن لا يتدخل في شؤون الحكم من تعيين أو عزل أو تثبيت. وبذلك فهِم الجميعُ أنه عليه السّلام لا يرى النظام الحاكم إلاّ جهازاً فاسداً غير شرعيّ.
وهنا أصبح المأمون في حيرة من أمره، إذ لم يبقَ له مجال فسيح لتنفيذ جميع مخطّطاته، ولم يتمكّن من إجبار الإمام على تنفيذ إرادات الحكم العبّاسيّ، ولم يستطع إطلاء سلطته بطلاء شرعيّ.
الموقف الثامن: لمّا أُريد للإمام الرضا عليه السّلام أن يقيم صلاة العيد؛ حذَراً على المأمون من احتمال تعرّضه للاغتيال، وأملاً في أن يتعرّض الإمام عليه السّلام للاغتيال.. اشترط عليه السّلام أن يخرج كما خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السّلام. فرضي المأمون، ثمّ ندم حينما بلغته الأخبار أنّه شَرَع في إقامته على هيئة مَهيبة، مطبِّقاً فيها السُّنن الإسلاميّة الشريفة، ممّا أذهل الناس وانقاد له الأُمراء والقُوّاد والحُجّاب، وقد بكّروا كما أمرهم، فلما كبّر سلام الله عليه ورفع صوته والناس معه يردّدون: الله أكبر، الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، والحمد لله على ما أبلانا.. تزعزعت مرو بالبكاء، وقد سقط الجند والقوّاد عن الدوابّ إلى الأرض ورمَوا بخِفافهم، وقد تَخيّل للناس أن السماء والأرض والحيطان تُجاوبه.
فأسرع الفضل بن سهل ذو الرئاستين إلى المأمون يقول له: إن بَلغَ الرضا المصلّى على هذا السبيل افتتنَ به الناس، وخِفنا كلُّنا على دمائنا، فالرأي أن تسأله أن يرجع. فبعث المأمون إليه أنه قد كلّفه شططاً، وأنّه ما كان يحبّ أن يُتعبه!.. فرجع أبو الحسن، واختلف أمر الناس في ذلك، ولم ينتظم أمرُهم في صلاتهم (16).
وقد فهم الجميع أن الرضا عليّ بن موسى صلوات الله عليه إمام بحقّ، وهو الأَولى والأجدر بالخلافة، والأعلم بالسنن والشرائع، وأنّ المأمون خاف على نفسه أن يُنبذ بعد أن أخذ إعجاب الناس بالإمام عليه السّلام بمجامع قلوبهم. وقد رأوا منه في كلّ واقعةٍ موقفاً مشهوداً، وفي كلّ حديث عِلماً نيّراً، وعاشوا معه فطابت نفوسهم بلُقياه وهو يفيض رحمة وخلُقاً كريماً وإيماناً فوّاحاً بأزكى عطوره.. من العبادة الخالصة، والتقوى المعصومة.

وأخيراً.. الحسم الشيطاني
لم يجد المأمون أنّه قد بلغ شيئاً من أهدافه، بل راح يواجه نظرات المجتمع ترمقه باستهجان، وأخذ الوضع العبّاسيّ يتخلخل ويتزعزع، ثمّ وجد أنّه استدعى عدوّاً إلى جنبه يفضحه وجودُه معه في كلّ زمان ومكان.. فتحيّر واضطرب، وهاجت هواجسه وسيطرت عليه فكرة العنف والتصفية، فبدأ بمَن حوله لينتهي إلى أن يحسم الأمر بالقتل المباشر بيده اللئيمة، فقدّم عصير العنب المسموم إلى الإمام الرضا عليه السّلام بعد أن كانت مقدّمته العرض المسموم للخلافة وولاية العهد.

1 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام، للشيخ الصدوق 151:2 / ح 22.
2 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 153:2 / ح 22.
3 ـ الفصول المهمّة، لابن الصبّاغ المالكيّ 246. مطالب السَّؤول، لمحمّد بن طلحة الشافعيّ ـ الطبعة الحجريّة ص 85. إثبات الوصيّة، للمسعوديّ 205.
4 ـ مقاتل الطالبيّين، لأبي الفرج الإصفهانيّ 628.
5 ـ الفخريّ في الآداب السلطانيّة، لابن الطقطقيّ 217. ينابيع المودّة، للشيخ القندوزيّ الحنفيّ 384. عيون أخبار الرضا عليه السّلام 149:2 / ح 21.
6 ـ روضة الواعظين، للفتّال النيسابوريّ 267:1 ، 268 ، 269. إعلام الورى، للطبرسيّ 320. علل الشرائع، للشيخ الصدوق 236:1. ينابيع المودّة 384. كشف الغمّة، للإربليّ 65:3 ، 66 ، 87. مناقب آل أبي طالب، لابن شهرآشوب 363:4.. وغيرها.
7 ـ مقاتل الطالبيّين 562 ، 563. الإرشاد، للمفيد 310.
8 ـ أمالي الصدوق 43. علل الشرائع 238:1. مناقب آل أبي طالب 363:4. عيون أخبار الرضا عليه السّلام 140:2 / ح 140.
9 ـ تاريخ الشيعة، لمحمّد حسين المظفّر.
10 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 140:2 / ح 3.
11 ـ أمالي الصدوق 72. علل الشرائع 239:1. روضة الواعظين 268:1.
12 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 139:2 / ح 2.
13 ـ صبح الأعشى، للقلقشنديّ 362:9 ـ 366. نور الأبصار، للشبلنجيّ 143. الفصول المهمّة 293.
14 ـ مآثر الإنافة في معالم الخلافة، للقلقشنديّ 325:2 ـ 336. شرح ميميّة أبي فراس، لحاج حسينيّ 299 ـ 303. وسيلة النجاة، لمحمّد مبين الهندي 387.
15 ـ الاحتجاج، لأبي منصور أحمد بن عليّ الطبرسيّ 412 ـ 431.
16 ـ عيون أخبار الرضا عليه السّلام 150:2 / ح 21.
Copyright © 1998 - 2017 Imam Reza (A.S.) Network, All rights reserved.