صوم « شِيرين »

فَتَحَت « شِيرين » عَينَيها، وأخَذَت تُحدِّقُ في وجهِ جَدّتِها الطيّبة.
نَهَضَت.. وسألَت بصوتٍ خَفيض: « هل أفاقَت ماما أيضاً ؟ ». قالَتِ الجدّةُ: « نَعَم، قُلتُ لها إنكِ تُردينَ أن تَصومي ».
دخَلَتَ أُمُّ شيرين إلى الغرفة. ومِثلَ مَن بَينَهما سِرٌّ تُخفيانهِ، تَظاهَرَت الجدّةُ بالابتعادِ عن شيرين. قالت الأمّ: « أفَقتِ ؟ ».
عَضَّت شيرين على شَفَتِها السُّفلى بِرِفق. كانت قد تَعلّمت هذه الحركةَ من أُمِّها، وكأنّها تُريدُ أن تقولَ: « لقد اتّخذتُ قَراري »!
عَقَدت « لطيفةُ بيگم » ما بينَ حاجِبَيها، ونَظَرت إلى أمّ زوجِها بعيونٍ قَلِقَة، وقالت: « ماما.. أنتِ قُولي.. أليس الصومُ لشيرين ما يَزالُ مُبَكّراً ؟ إنّها صغيرةٌ جداً، لم تَدخُلْ في السنةِ الثامنة »!
سَحَبَت أمُّ زوجِها طَرَفاً من غِطاءِ رأسِها على كَتِفِها، وحَمَلَت إناءَ الماءِ، وقالت وهي ذاهبةٌ إلى الوضوء: « لقد صارَت كبيرة ».
فَرَّت شيرين مِن نَظَراتِ أمِّها، وذَهَبت وراءَ جدّتِها. نادَتها لطيفةُ بيگم قائلة: « أسرِعي، لم يَبقَ وقتٌ كثيرٌ للسحور ».
جَلَست شيرين خلفَ المائدةِ بافتخار، لكنّها لم تَستَطع أن تأكُلَ شيئاً. وحتّى عندما قَدَّمت لها جدّتُها الخبزَ الدُّهني الطيّب، ووَضَعَت في صَحنِها كثيراً من الحلوى.. فإنّها لم تَستَطع أن تأكُل. إنّ تَناوُلَ الطعام في مثلِ هذا الوقتِ من السَّحَرِ كان عجيباً بالنسبةِ إليها، وكلّما حاوَلَت أن تأكُل لم تَجِد في نفسِها شَهيّةً للأكل.
ألَحّت عليها أمُّها برقّة: « إشرَبي كأسَ حليبٍ على الأقل ». كان في عينَي أمّها شيءٌ طَمأنَها. تَناوَلَت كأسَ الحليب، وشَربَته.

* * *

في الصباحِ.. ذَهَبت إلى المدرسةِ بدونِ أن تأكلَ شيئاً. قالت لها أُمُّها وهي تَنظُر إليها قَلِقَةً عليها: « هل أنتِ متأكِّدة أنّكِ لا تُريدينَ البقاءَ في البيت ؟ أخشى أن تَتعَبي كثيراً في المدرسةِ وتَجوعي ».
في تلك اللحظةِ دَخَلَ الأبُ الغرفةَ، كأنّه يَستَعِدّ لأن يَذهَبَ إلى الإدارة، قال: « الأفضَلُ أن تذَهَبَ إلى المدرسةِ، إذا انشَغَلَت هناكَ فإنّها لا تَشعُرُ بالجوع ».
سارت شيرين على مَهْلٍ ذاهبةً نَحوَ سيّارةِ أبيها، وهي تَقولُ لأعشابِ الجُنَينة وأزهارِها: « أنا صائمة »! ذَهَبت وجَلَست في سيّارةِ أبيها.
شيئاً فشيئاً.. أحسَّت شيرين أن شيئاً في بطنِها يَتَحرّك ويُدَغدِغُها. ولمّا أرادت أن تَبُوحَ بِسرِّها لإحدى زميلاتِها لَعَقَت شَفَتَها الجافّةَ وقالت: « كأنّ فَراشات تَتحرّك في بَطني هنا وهناك ». ولمّا قالت إنّها صائمة ما كانت تَتَوقّع أنّ البناتِ لا يَجتَمِعْنَ حَولَها، فلَم يَكُنْ مُهمّاً لَهُنّ أنّها صائمة.. ما عدا واحدةً أو اثنَتَينِ من البناتِ تَعَجَّبتا ونَظَرتا لها بِعُيونٍ مُتَّسِعة.
النهارُ يَمضي على مَهْل. وشيرين أضناها العطش. مرّاتٍ عديدةً بَلَعَت رِيقَها لِتُزيلَ العطش.
حاولَت أن تُركِّزَ انتِباهَها لِتَستَمع إلى كلامِ المعلّمة، ولكنّ تَفكيرَها كانَ يَشرُدُ باستمرارٍ إلى الخُبزِ الدُّهنيّ والحَلوى اللذيذةِ التي لم تأكُلْ منها عند السحور. وفجأةً لَكَزَتها المعلّمةُ بيدِها، فعادَت إلى نفسِها. كانت المعلّمةُ تقولُ: «... ولهذا نَستَريحُ نِصفَ ساعةٍ احتفِالاً بهذا اليومِ المبارك، وفي هذه النصفِ ساعة أوزّعُ بَينكُنَّ مقداراً من الحلويّاتِ والعصير ». ولَعَقت شيرين شفتَيها الجافّتينِ بلسانِها الصغير.
ولمّا وَصَلت النَّوبةُ إليها لم تَعرِفْ ماذا تَفعَل. تناوَلَت كاسَ العصيرِ وقِطَعاً من الحلويّات، وهي تقولُ في نفسِها: « لكنّي صائمة! ». غيرَ أن المعلّمة ذَهَبت، وخَجَلت شيرين أن تُرجِعَ ما تناوَلَته. كانت جالسةً بلا حركةٍ لَحَظات، كالمُذنِبة.. وفي يدِها الحلويّات وكأسُ العصير. كانت الحلوياتُ قد دَبَّقَت يدَها، وبدونِ أن تُفكّرَ وَضَعت قطعةً من الحلويات في فمِها ولَعَقَتها. كانت لذيذةً جداً. لم تُفكّر. دَسَّت بقيةَ الحلوياتِ في فمِها وأخَذَت تَمضَغُها بأسنانِها البيضاءِ الحادّة.
تَحَسّنت حالتُها الآن، قالت: « لا أقولُ لأحد ». لكنّها كانت خَجِلةً من نَفسِها. وكان خَجَلُها يَزدادُ كلّما اقتَرَبَ وقتُ الانصرافِ إلى البيت.

* * *

عِندما كانت تَمضي إلى البيتِ.. شَعَرت بالحَقارةِ والعذاب.
لكنّ الجدة كرَّمَت هذا « الكائنَ الحقير » واحتَضَنتها بِحَنانٍ قائلةً: « ما شاء الله.. ما شاء الله يا بِنتي الحُلوة. لَم يَبقَ على وقتِ الإفطارِ إلاّ ساعات ».
ثمّ أخَذَت بيدِ شيرين وذهَبَت بها إلى غرفةِ نَومِها، قالت: « تَعالَي.. تعالَي وانظُري ماذا خَيَّطتُ لبِنتي العزيزة ».
كانَ على سريرِ شيرين بِنطالٌ جديدٌ وقميص.
خَنَقَت شيرينَ العَبرَة. وجَلَسَت الجدّةُ تَقرأُ القرآن. وعندما رأت شيرين جدَّتَها الحنَونَ بثيابِها البيضاءِ النظيفة.. تَذكّرت الملائكة. وفكَّرت بأنّها هي مِثلُ الشيطان.. فارتجَفَت. وخَرجَت بِضَجَرٍ من الغُرفةِ إلى غُرفةٍ أخرى تَبحَثُ عن أُمِّها. كانت أُمُّها في غرفةِ الاستقبال.
تَوقَّفت لحَظَاتٍ تَنظُر إلى أُمّها بِصَمتٍ، وغَرَقت في التفكير. رَفَعَت الأُمُّ رأسَها وقالت: « السلامُ عليكِ يا بِنتي العزيزة، هل أنتِ بخير ؟ ».
أضافت الأمّ: « لابُدّ أنّكِ جائعةٌ جدّاً ومُتعَبَة.. أليس كذلكَ يا عزيزتي ؟ ».
التَصَقَت شيرين بأُمِّها، وغَطَّت وجهَها بِطَيّاتِ ثوبِ الساري الذي تَرتَديه أُمُّها. وبطريقةٍ عجيبة.. فَهَمَت كلٌّ مِن الأمِّ والبنتِ أفكارَ الأخرى.
سَحَبت لطيفةُ بيگم يَدَها من بينِ طَيّاتِ شَعرٍ ابنتِها، وحَدَّقَت في عَينَيها المضطربتَينِ.. قالَت: « ماذا يا بِنتي ؟ ».
ارتَجَفَت شَفَتا شيرين.. غَطَّت وجهَها بقماشِ الساري الرقيق، وقالَت إنّها قد أفطَرَت! بعد هذا الاعتِرافِ.. سَيطَرَ الصَّمتُ على الغرفةِ لَحَظات. خافَت شيرين، وفكّرت أنّ أُمَّها خائفةٌ أيضاً من هذا الذي عَمِلَته شيرين. لكنّ أُمَّها وَضَعَت يَدَها على عُنُقِ شيرين وأخَذَتها باتّجاه الكَنَبَة، ثمّ قالت وهي تُداعِب شَعرَ ابنتِها: « لا يَجب أن تَبكي وتَخجَلي، أنتِ ما تَزالينَ صغيرةً جدّاً. لابُدّ أنّ الشيطانَ قد وَسوَسَ لكِ كثيراً ».
سألَت شيرين بصوتٍ مُنَخفِض: « أذهَبُ إلى جَهَنَّم ؟ ».
احتَضَنَتها أُمُّها وقالت: « لا »، ثمّ ضَحِكت. لكنّ صَوتَها كان مُختَلِطاً بالبُكاء. قالَت: « ألاَ تَعرِفينَ أنّ اللهَ يَعلَمُ كلَّ شيء ؟ لكنْ.. كلُّهم يَنْسَون ».

كانت لطيفة بيگم تَنظُرُ إلى الجُنَينَة مِن خلالِ النافذة.. لكنّها غارِقةٌ في أفكارِها. قالَت مَرّةً ثانية: « يَنسَونَ أنّ اللهَ لا يَحكُمُ علَينا مِن خلالِ ما نعمَلُ، بل المهمُّ عِندَهُ أن نُحِاولَ القيامَ بالأعمال؛ لأنّه يَعلَمُ كم نحنُ البشرَ ضُعَفاء ».
ثمّ نَظَرت بحنانٍ إلى وجه ابنتِها الدامِعَةِ العَينَينِ، وقالت: « ولهذا فإنّ صَومَكِ ما يزالُ صوماً مع أنّكِ قد أفَطرتِ. أنا واثِقَةٌ أنّ المَلَكَ الذي يَكتُبُ أعمالَنا جميعاً قد كَتَب عَملَكِ هذا بحروفٍ مِن ذَهَب.. ثُمّ إنّكِ ما تزالينَ صغيرةً جدّاً ».
نَظَرت شيرين في عَينَي أُمِّها وقالت: « لازم أقول لجدّتي إنّي قد أفطرت ».
ابتَسَمَت أُمُّها وقالت: « جَدّتُكِ مَسرورةٌ جدّاً لأنكِ صُمتِ لأوّلِ مَرّة، فالأفضَلُ أنْ لا تَقطَعي علَيها سرورَها ».

( من المجموعة القصصية « الزوجة الشابّة وقصص أخرى »، تأليف الشاعرة القاصّة الباكستانية زيب النساء حميد الله، ترجمة إبراهيم رفاعة )