إطلالة

« حسين » يحاول أن ينظر من خلال الشبّاك إلى الحديقة بعد تساقط الثلج.. لكنّه لا يرى شيئاً واضحاً، اقترب من الزجاجة ومسح ما تجمّع عليها من بخار الغرفة.. الذي حجب عينيه عن النظر إلى ذلك المنظر البهيج.
فُتحت الباب فجأةً... التفت « حسين » فسألته أُمُّه:
ـ ماذا تفعل يا ولدي ؟
ـ أمسح الزجاج لأتطلّع إلى الأشجار والزهور التي غطّاها الثلج.
ـ ألا تتناول إفطارك يا عزيزي ؟
ـ أمّاه.. منظرٌ لطيف هذا الذي أراه.
ـ شوّقتَني يا « حسين ».. سأجلس معك لأستمتع بعالم الطبيعة الجميل.
ـ كم أصبحتُ يا أمّاه أشتاق إلى منظر نزول المطر، أو هبوب الرياح أو تجمّع الغيوم، أو شروق الشمس، وغروبها، وكم أصبحتُ آنَسُ بمراقبة الهلال حتّى يصبح بدراً، ثمّ يبدأ بالتناقص.

ـ حبيبي « حسين »، لو رافق متعتَك النفسيّةَ هذه تفكّرٌ وتدبرّ لكنتَ أكثر استئناساً بما ترى. يلتفت « حسين » إلى أمّه « فاطمة » ويسألها بلهفة وكأنّه أفاق من حلم كان سارحاً فيه:
ـ وكيف يا أمّاه ؟!
ـ رحِمَ اللهُ والدي، كنتُ أخرج معه وأنا طفلة إلى المزرعة وأتفكّر في أنواع الفاكهة التي تحملها أشجارُ بساتيننا.. كان يسألني:
ـ بِم تفكّرين يا بُنيّتي « فاطمة » ؟
فأُجيبه:
ـ عجيبةُ هذه الاشجار يا أبتاه، كيف تتلوّن، وتتشكّل، وتتنوّع!
فكان يقول:
ـ حبيبتي « فاطمة »، إحفَظي عنّي هذا الحديث الذي تعلّمتُه من السيّد « عبدالباري » إمام جماعة مسجدنا، فقد قال لنا يوماً: تعلّموه وعلّموه أبناءكم، وهو قول الإمام الكاظم عليه السّلام: « طُوبى لمَن كان صَمتُه فِكرا، ونَظرُه عِبَرا، وكلامُه ذِكْرا ».. فإذا نظرتِ إلى شيء فانظري إلى ما خلفه.
ـ وكيف يا أمّاه تستطيع أعيننا أنْ تنظر من خلفِ شيءٍ مادّي كثيف ؟
نعم، أعينُ البصر لا تستطيع ذلك، أمّا أعينُ البصيرة فهي قادرةٌ إذا قوّاها المرءُ بحسن الإيمان والتقوى والعبادة والتفكّر، وكان قلبُه شفّافاً لا تحجبه عن أنوار المعرفة أوساخُ الذنوب ولا دخانُ المعاصي.
ـ وكيف ذلك ؟! حديثُكِ يا أمّاه لطيف، ولكنّه يحتاج إلى شاهد على الأقلّ.
ـ أنتَ يا « حسين » ولدٌ ذكي.. فقبل دقائق حينما أردت الاستمتاع بمشاهدة منظر الحديقة البهيج مسحتَ زجاجةَ الشبّاك، ولولا أنّها شفّافة لما استطاعت عيناكَ يا ولدي رؤيةَ هذا المنظر المُؤنس.
ـ ثمّ ماذا نستطيع يا أمّاه أنْ نأخذ من العِبر من خلال هذا المنظر البسيط ؟ إنّها شُجَيرات وبعضُ ثمار تتساقط عليها قطراتُ ماءٍ وثلج... ها!
ـ لو أعملتَ فكرك يا شاطر، وأطلقتَ عقلَك.. لرجعتَ تحدّثني عن معانٍ لطيفةٍ جذّابة. أُوه، أشمّ رائحة الشاي يكاد يحترق فيفسد طعمه.. من رخصتك يا حبيبي، أنتظرك على المائدة.
ـ سأتي بعد قليل إنْ شاء الله.
ويسرح خيال « حسين » في عالم تلك الحديقة الصغير، ويأخذ فكره الصغير بالتوسّع والطيران عبر النافذة، وتأخذ نظرته بالتعمّق في ما خلف الصورة، حتى نسيَ نفسه أو كاد، بل لم يرَ نفسَه إلاّ في سياحة.
أفاق حسين على نداء والده:
ـ ولدي حسين.. يكاد الشاي يبرد، هل تأتي لتتناول إفطارك معنا ؟ ماذا بك يا ولدي ؟! ما هذه الدموع تملأ عينيك ؟! هل أنت تبكي لشيءٍ يُحزنك ؟
ـ أبكي! لا، ولِمَ أَبكي ؟ ( تعجّب « حسين » وأخذ يمسح مقلتيه فيحسّ في يديه بللاً لم يَدرِ كيف تحدّر على وجنتيه ).
سأَل الأَب زوجته عمّا أَزعج حسيناً، فتطمئنه أنْ لا شيء ممّا يظنّه.

بعد لحظات:
ـ السلام عليكم.
أمّه: عليكم السلام.. كيف أنت يا « حسين » ؟ هل أنت منشرح الصدر ؟
ـ أجل، وأشتهي الطعام.
أبوه: كُلْ يا حبيبي هذه الجُبنة وتكون أَنفع مع الجوز.
أمّه: إنّه ـ يا « أبا حسين » ـ يشتهي الأطمعة الفكرية أَكثر من اشتهائه الأَطعمة الماديّة.
أبوه: ماذا تعنين بذلك ؟!
أمّه: سيحدّثنا هو بعد أن ينتهي من إفطاره.
وبعد دقائق:
أمّه: أَتشتهي الشاي يا
« حسين » ؟
ـ مع والدي، نعم.
أمّه: تفضّلا إذن.. ومع الشاي يحلو الحديث، أليس كذلك يا ولدي ؟
ـ أَجل يا أُماه، حاولتُ أَن أَغور في معاني الصور ودلالاتها فوصلتُ إلى عظمة الخالق وكيف أنّه حوّل هذا التراب الأَسمر اللون الضارّ أكُله إلى أنواع الزروع الجميلة من خضرة الأوراق وألوان الزهور الزاهية والفواكه والخضروات المختلفة الطعم من حلوٍ وحامضٍ والكثيرة المنافع، وفكّرتُ كيف عجز العلم الحديث رغم تطوره المدهش أن يصنع في معامله حبّةً أو فاكهةً من هذا التراب.؟!
أمّه: جميلٌ يا بنيّ.. وماذا أيضاً ؟
ـ وصلت إلى أنّ الله تعالى رحيم بنا، حيث خلق لنا كلّ ما ينفعنا ولم يكتفِ بطعامٍ واحدٍ ينفعنا، بل خلق لنا أَنواع الفاكهة ومن كلّ فاكهة أنواعاً كثيرة... فمثلاً خلق مئات الأنواع من التمر وهكذا العنب والرمان وغيرها، لئلاّ نضجر من الطعام الواحد.
أبوه: وهل هذا كلّ ما وصلتَ إليه يا حبيبي ؟
ـ أشعر يا أَبتاه أنّ هنالك رحمةً ومحبّةً تغمرنا جميعاً، فحتَّى لا نسأم من الرتابة ولكي يتجدّد لنا النشاط جعل الله الليل والنهار والبرد والحَرّ والنوم ثم اليقظة والصحو ثمّ السحاب والمطر والرعد والبرق والرياح العاصفة ثمّ الهدوء، والشتاء ثم الربيع ثم الصيف، والشمس ثم القمر والنجوم.. لقد وهب الله لنا كلّ ما نحتاجه وزيادة كالأب الذي يدلّل ولده ويعطيه كل ما يريده منه.
أبوه: وكيف لا وقد وهبني الله أَيضاً زوجةً مخلصةً كأمّك، وولداً عاقلاً مثلك.
أمّه: ولكنّ أشجار المحبّة تيبس إذا انقطعت عنها قطراتُ المودّة.. وقد قال الله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مَنْ أَنفُسِكُمْ أَزْواجَاً لِتَسْكُنوا إِليها وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذلِك لأيَتٍ لَقِوْمٍ يَتَفَكَّرُون .
حسين: هذه الآية في سورة الروم.. إنّها الآية الحادية والعشرون.
أبوه وأمّه: بُوركت بُوركت يا حافظ القرآن!