وفاء

« صالح » رجلٌ يُحبّ عائلتَه، وقد رَزقَه اللهُ مِنْ زَوْجَتِهِ المخلصة ابناً وبنتاً، هُما: عليٌّ ووفاء. وكانَ يَحنُو عليهما ويَرعاهما رعايةً خاصّةً مُحافظاً على سَلامتهما مِن الأمراضِ ومساوئ الأخلاق، ويحرصُ كثيْراً على عَافيتِهما البدنيّةِ والروحيّة..
وكانَ لولدهِ « عليّ » صديقٌ يُحبُّهُ اسْمهُ « فلاح »، اعتادَ أَنْ يَذهبَ مَعه كلَّ يومٍ إلى المدرسةِ وَيرجعا مَعاً إلى البيتِ.. يَدرسَان سويّةً، ويَلعبان معاً.
في صبيحةِ أحدِ الأيام، وبينما كانَ « عليّ » يتناولُ فطوره مَع عائلتهِ، سَألَ أبَاه:

ـ لِمَ اِخترتَ يَا أبي اسمي هذا
« عليّاً » ؟
ـ لأنّي تمنّيت أَنْ يكونَ لي ولدٌ شَهمٌ شُجاعٌ يتعلّم الشجاعة من عليّ.
ـ هَا.. ثُمَّ لمَ اخترتَ لأُختي اسمَ « وَفاء » ؟
ـ إنّه لِذكرى وَفاء والدتِكَ مَعي، حَيثُ خَدمتني زَمناً كنتُ فيه مُصَاباً بعلّةٍ طويلة، حتّى شافانيَ اللهُ منها ببركةِ الدّعاء.
ـ إذَن.. « وفاء » ثمرةُ المودّةِ والوفاء، يا أبَهْ.. ها ؟
ـ أتمنّى أنْ تكونَ وَفيّاً يا ولدي مَع أهلِكَ وأقربائِك، وجميع إخوانِكَ الطيبين.
ـ إن شَاءَ اللهُ. أوه، لَقد تأخّرتُ عنْ صَديقي « فلاح » وهو يَنتظرني عِند بابِ الدّار لِنذهبَ مَعاً إلى المدرسة.
ـ انتظرني يا وَلدي قليلاً حَتّى أُعطيَ أُختَكَ دواءها ثمَّ آتي مَعكَ، أَخشى عليكَ وعلى صديقك مِن عبورِ الشارعِ.
ـ الوقتُ أمامي قليلٌ، ليستْ لديَّ فُرصَةٌ، أستودعُكم الله.
الأمُّ: إِنتبهْ جيّداً يَا ولدي،.. في حفظِ اللهِ ورِعايته.
وَبعد دقائق يَمرُّ « صالح » مِن الشارعِ الذي مَرّ مِنه ولدُه « عليّ »، فيرى الناسَ متجمهرين.. يُهرعُ إلى المكانِ وكأنْ قَلبَه أحسّ بشيءٍ من القَلقِ لأمْرٍ ما. خُطواتٌ عاجلةٌ.. رَبّاه مَا هذا ؟!
وَصَل إلى حيث النّاس تَجمعوا ينظرونَ، فوجَد « صالح » بُقَعَاً مِنَ الدَمِ على حافّةِ الشّارع، أخَذَ قلبه بالاضطرابِ، فَتلاقَفَ أنْفَاسَه، ثُمَّ حَوّلَ بَصَره مَدهُوشَاً فرأى كُتُباً على الأرضِ مُتناثرةً.. دَقّقَ فِيها نَظَرَهُ، فَوجَدَها وقد كُتِبَ عليها.
الاسم: علي صالح.
الصفَ: الرابع الابتدائي.
المدرسة: أبو ذر الغفاري..
عِندها كادت قواه أنْ تَنهارَ، فأخذَ يهمسُ مع نَفْسِه:
ـ وَلدي علي.. لا أراكَ اللهُ مَكرُوهاً.. وَلدي علي.. أين أنت يا ولدي ؟
وفاضَت عيناه بالدّموعِ، ثُمَ التفتَ فرأى سيّارة الحادثِ وَاقفةً وَقد اتّكأَ عليها سائِقُها مُطْرِقاً مُتأسِّفَاً لما جَرى. فأرادَ « صالح » أنْ يُهرعَ إليهِ ليسأَلَه عَنْ حالِ وَلدهِ، فإذا بِصاحبِ الحانوتِ الحاج « عبدالله » يُمسِك بذراعهِ من الخلْفِ.. التفتَ « صالح » مُستغرِباً فَرآه مُبتَسِماً، فبادره:
ـ أُهَنّئُكَ يا « صالح ».
ـ تُهنِّئُني ؟! يا حاج « عبدالله »، أين وَلدي « عليّ » ؟
ـ إنّه بخير، لقد ذَهبَ مَع صَديقه « فلاح »..
ـ إلى أينَ ذَهبا يا حاج ؟ّ!
ـ إلى المستشفى.
ـ وهل أُصيب أحدهُما بأذى ؟
ـ لقد تَعجَّلَ الصبيُّ « فلاح » في عُبورهِ فَصَدمتهُ هذه السّيَارة.. فما كان مِن ولَدِك الشّجاع الوفيّ إِلاّ أن سحبه إلى الخلفِ بِقوّةٍ، وإلاّ كانَ قَد دُهِسَ، فلم يُصَبْ « فلاح » ـ وللهِ الحمدُ ـ إلاّ في يدهِ، ثُمّ حملَه « عليّ » في سيارةِ أُجرةٍ مُسْرِعاً بِهِ إلى ( مستشفى الحريّة )، تراهما هُناك، لا أراك اللهُ إلاّ خيراً.
أسرعَ « صالح » إلى بيتِ « مصطفى » والد « فلاح »، وأخبَره بالحادثِ سِرّاً لِئلاّ تَضطرب والدةُ « فلاح »، فذهبا مُسرِعَين إلى المستشفى.
وهناك وَجَدا « فلاح » على السريرِ وقد ضُمّدتْ يَدُه، وإلى جانِبه « عليّ » يُمازحهُ ويُضاحِكُه، و « فلاح » ينكمشُ وَجهه مِن الألمِ، فالتفتَ « مصطفى » إلى صاحبهِ « صالح » وقَال له:
ـ أشكر لك ولِولدك هذا اللطفَ الذي غَمَرتُماني بِهِ، وأُهنّئك يا « صالح » على تربية هذا الولد الوفيّ.
فلمّا رآهما « عليّ » أسْرعَ إليهما مسلِّماً، وهوَ ينظر إلى وجهِ « مصطفى » قائلاً له بلهفة:
ـ إطمئِنّ يا عَمّ، « فلاح » بخير، لقد قال الطبيبُ إنّه لَم يُصَبْ إلاّ بشيءٍ طفيف، وسيَخرجُ اليومَ مِن المستشفى بإذن الله، وسنذهب غداً إلى المدرسةِ معاً.
انحَنى عليه « مصطفى » وقد اغرَورقَت عيناهُ بالدمعِ، وقبّله.