قبل الامتحان

دقّ جرسُ الانصراف من المدرسة.. وخرج التلاميذ من الصف. بعضهم يجري بسرعة، وبعضهم يَزعَق بصوت مرتفع، وبعضهم يتحدّث مع زميله.
حمل ( هاني ) محفظته ودخل في موجة التلاميذ وهم يتدافعون للخروج من باب المدرسة . جاءته دفعة من ورائه في الزحام، ثمّ دفعة أخرى من يساره. لكنه لم يهتمّ. إنّ ما يفكّر فيه هاني هو امتحان العلوم غداً. وعليه أن لا يضيّع الوقت في المنزل.. لابدّ أن يُطالع فصل ( الهواء ) وفصل ( الحرارة ).
وأمام المدرسة تحدّث هاني مع صديقَيه محسن وعمّار. ثمّ صافحهما، وافترقوا كلّ واحد منهم في اتجاه.
كان هاني يسير بين التلاميذ الراجعين إلى بيوتهم عندما انتبه إلى صوت كأنه يناديه. فُوجئ هاني بما سمع:
ـ هاني يا جُرثومة.. وجهك وجه البومة!
التَفَت بسرعة إلى جهة الصوت. إنه ( طلال ) التلميذ المشاغب بين عدد من الكسالى الوَقِحين.. يضحكون باستهزاء. وانحنى أحدهم إلى الأرض.. تناول قشرة بطيخ ورمى بها هاني وهو يقول ضاحكاً:
ـ يا وجه البومة!
وشاهد بعضُ التلاميذ العابرين هذا المنظر.. فانفعل هاني واحمرّ وجهه. ونظر إلى طلال وأصحابه نظرة يشتعل فيها الغضب. وبسرعة هجم عليهم ليضربهم بمحفظة كتبه، فهرب طلال وجماعته ودخلوا في زحام التلاميذ ضاحكين بصوت مسموع.

* * *

في الطريق إلى الدار.. كانت في قلب هاني نار غضب ملتهبة، كان في داخله يخاطب طلال: « حيوان.. كلب »! وأحسّ بطعمٍ مرّ في فمه من الانفعال.

* * *

في المنزل.. نادَته أمّه ليتناول مع أهله طعام الغداء. والواقع أنّ الإهانة التي تَلقّاها لم تترك له رغبة في طعام. لكنْ.. ماذا يقول لأُمّه ؟! لا يدري كيف نطق بكذبة:
ـ أنا شبعان.. أكلتُ في المدرسة.

* * *

وبعد نصف ساعة.. جاءت إليه أخته الصغيرة ( هانية )، وطلبت منه أن يساعدها في حلّ مسألة في درس الحساب. لم يكن هاني قادراً على تحمّل أحد. صاح بأخته الصغيرة بجفاء.. وذهبت هانية تبكي.

* * *

استلقى على فراشه لينام قليلاً بعد الظهر، فما قَدَر أن ينام.. كانت صورة طلال وأصحابه لا تفارقه. مدّ يده إلى المنضدة القريبة. تناوَل كتاب العلوم.. وأخذ يقلّب أوراقه، ونظر إلى درس ( الحرارة ) و ( الهواء ): طُرق انتقال الحرارة.. الأولى طريقة التوصيل، الثانية طريقة الإشعاع. ثمّ قال بعصبية: والثالثة.. شتائم الأولاد الكلاب.. الجبناء! لماذا يصعد الهواء الساخن إلى الأعلى ؟ لماذا تهبّ الرياح من مناطق الضغط العالي إلى مناطق الضغط الواطئ ؟ لماذا تهبّ عليه هو إهانات التلاميذ الزِّفت.. الملعونين ؟!

* * *

وجاء الليل.. وما قرأ هاني من كتاب العلوم إلاّ أوراقاً قليلة، وبغير تركيز. لقد وَعَد أباه قبل أيام أنه سيُحضِّر للامتحان جيداً، ليحصل على درجة عالية.. لكنّه إلى الآن لم يُحضّر، وها هو يكاد يستسلم للنوم.
وحينما نام.. رأى نفسه في معركة حامية مع طلال: قَبضَ على رقبة طلال، وأخذ يضربه ويضربه.. حتّى أوقعه على الأرض.

* * *

أيقظته أمّه لصلاة الفجر. فتح هاني عينَيه. الطقس مُنعِش.. فيه لَسعةُ برد خفيفة. هذا يومٌ جديد. توضّأ لصلاة الفجر، ثمّ وقف باتّجاه القِبلة.. وبدأ يصلّي. جميلُ هو لون الفجر: هواء نقي، ولذّة في القلب.
بعد صلاة الفجر.. تذكّر أخته الصغيرة. إنّه يحبّ هانية كثيراً.. فلماذا صاح بوجهها بدون شفقة ؟!
وتذكّر أشياء أخرى: لماذا كذب وقال لأمّه إنّه أكل في المدرسة ؟! لماذا شَتَم طلال في غِيابِه ؟! كثيراً شَتَمه! لماذا لم يقرأ جيّداً فصلَي الحرارة والهواء ؟! أخطأوا لمّا سخروا منه وأهانوه.. فهل يجوز أن يُخطئ هو مِثلَهُم ؟! أخطأوا خطأً واحداً.. أمّا هو فقد ارتكب سِلسِلة من الأخطاء: كَذَب، وشَتَم، ولم يَدُرس، وطَرَد هانية بجفاء!
تذكّر هاني هذا كلَّه وهو ما يزال جالساً على سجّادة الصلاة. نَدِم هاني كثيراً.. وبَسَط يدَه نحو السماء. وجد هاني نفسَه يتكلّم مع الله. طلب من الله أن يسامحه، وأن يجعله يحبّ هانية أكثر. وطلب منه أيضاً أن يُعَقِّل طلال. وأخيراً طلب من الله أن يساعده في الامتحان. وكرّر هاني الطلبَ مرّات.. فأحسّ أنّ الله يسمعه.. فدَمِعَت عيناه.

* * *

عند إفطار الصباح.. جلس هاني إلى جنب هانية، وقَبّل جَبينَها، فابتسمت البنت الصغيرة بالفرح.
ولمّا دّقت الساعة السابعة.. حمل محفظته وخرج. وفي الطريق إلى المدرسة فكّر في الامتحان.. وتَمنّى مِن قلبه أن يُساعده الله.
وأيقَنَ هاني أنّ الله سيُساعده، لأنّه سَمِع اعتذارَه ورأى دموعَ عينَيه.