وَعَدتُ أُمّي

تَرجَّلوا من خيولهم في وسط البرّيّة.. واختبأوا وراء مُرتفَع رملي هم وخيولهم الثلاثة. ستة عيون جريئة تتطلّع إلى الطريق البرّي هنا وهناك.. لعلّ قافلة سيئة الحظ تمرّ في هذا المكان، فيبدأوا الغارةَ والهجوم.
قال أحدهم: لا أثر لقافلة!
نطق كبيرهم وهو يتحسّس خنجره بيده: إنتظِرْ.. لا تَعجَلْ!
.. ومضت ساعة من الانتظار، قبل أن يَلُوح لهم راكب يقطع الصحراء بمفرده. ولمّا اقترب من مكمنهم ركبوا خيولهم مسرعين، وأحاطوا بناقته، وهم يدورون حوله.
قال كبير قطّاع الطريق للرجل الذي أذهلته المفاجأة: خيرٌ لك أن تُخرج ما معك من نقود.. وإلا فقدتَ حياتَك!
قال الرجل المسافر وهو يشير إلى جيبه: ليس معي غير ثمانين ديناراً. نصفها دَين أريد أن أؤدّيه إلى صاحبه. والبقية نفقتي في السفر.. هي كل ما معي.
نظر إليه رئيس اللصوص نظرة فاحصة، ثمّ قال لرفيقَيه: دعوه يذهب.. يبدو عليه أنّه ساذج وفقير. ثمانون ديناراً فقط ؟! إنها لا تنفعنا شيئاً!

* * *

واصَلَ الرجل طريقَ سفره. وعاد اللصوص إلى كمينهم وراء تلّة الرمل.
مرّت ساعة وهم يترقّبون وصول قافلة.. ومرّت ساعات ولا شيء يبدو في هذا الطريق الصحراوي.
قال أحدهم وهو يتذكّر: لماذا تركناه يذهب ؟! إنّ ثمانين ديناراً أفضل من لا شيء.
وقال الآخر: إنّه اتّجه إلى القرية. لابدّ أنه قد مرّ بها وواصل طريقه. لِنَلحقْ به!
لم يعترض الرئيس، فقد خاب أمله في الحصول على قافلة يكسبون من سَلبها الكثير. واتّفقوا ثلاثتهم على أن يكمنوا له وراء القرية. وانطلقت خيولهم تسبق الريح. حتّى إذا بلغوا صخرةً كبيرة في البريّة اختبأوا خلفها هناك.
وما هو إلا قليل من الوقت حتّى أنفسهم أمام المسافر نفسه.. وحيداً في هذه الصحراء الخالية.
قال له أحد قطّاع الطريق بنبرة حادّة: هاتِ ما عندك.. وإلاّ قتلناك!
نظر إليه المسافر وقال: الواقع.. أنّه كان معي ثمانون ديناراً كما قلت لكم. سلّمتُ نصفها إلى صاحبها في القرية، وبقي عندي أربعون احتاج إليها في طريق عودتي إلى بلدي.
أشار كبير اللصوص أشارة.. فأخذ الآخَران يفتّشان الرجل وناقته.. فما وجدوا معه غير أربعين ديناراً.

* * *

التفت إليه كبيرهم وقال بدهشة: قُل لي.. لماذا أخبرتَنا بحقيقة ما معك ولم تكذب علينا ؟! وأنت تعرف أننا قُطّاع طريق.. شُغلنا النهب والقتل!
قال الرجل بصوت هادئ: الواقع.. أني في طفولتي وعدتُ أمّي أن لا أكذب أبداً وسمع اللصوص قول المسافر فضحكوا بسخرية.. قَهقَهوا بصوتٍ عالٍ. قال له أحدهم وهو يغالب الضحك:
ـ يا لَك من أحمق أبلَه! وَعَد أمّه أن لا يَكذِب! قاه.. قاه.. قاه!
قال الآخر وهو يمسك بطنه من شدة الضحك:
ـ شيء مضحك والله.. منذ زمان لم أضحك هكذا!.. مضحك والله!

* * *

أمّا كبير اللصوص فلم يكن يضحك. كان مطأطئاً رأسَه إلى الأرض، وقد بَدَت عليه علامات تفكير جدّي، وتغيّرت ملامح وجهه. أحسّ في داخله بشيء شبيه بوميض خاطف، جعله يُطرِق مُفكِّراً.
وبعد لحظات قال للرجل المسافر:
ـ عَجَباً! وعدتَ أمّك وأنت صغير أن لا تكذب، وبقيتَ وفيّاً بوعدك! أمّا نحن.. أمّا نحن.. فما وَفَينا لله لمّا أمرنا أن لا نعمل معصيته ولا نعتدي على الآخرين! عفوَك يا الله.. عفوَك.. عفوَك.
ثم قال له:
ـ إذهَبْ في طريقك سالماً.. لن يتعرّض لك أحد منّا.
ثمّ التفتَ كبير اللصوص إلى صاحبَيه، وقال لهما بصوتٍ حازم:
ـ لن أكون رفيقكما بعد اليوم.. إلاّ أن تتوبا. أمّا أنا فقد تُبتُ إلى الله من السرقة وقطع الطريق.
.. في تلك اللحظة، هبّت نسمة باردة في وسط الصحراء.. داعَبَت وجهه، فأحسّ ببرودة لذيذة تَسري إلى داخل قلبه.