الواجهة » خدمات » مدينة للصغار » شارع القصص » الإبرَةُ الصغيرة

الإبرَةُ الصغيرة

لمّا وَجَدت الإبرةُ الصغيرةُ نفسَها في المَجرّ.. قالت:
ـ أينَ أنا ؟!
أجابَتها إبرةٌ كبيرةٌ في نفسِ المَجرّ:
ـ في مَجرِّ الماكِنة.
رَدَّت الإبرةُ الصغيرة:
ـ وماذا سنَفعَل ؟
قالَت الإبرةُ الكبيرة:
ـ نَنتَظِرُ.. حتّى تَمتدَّ إلَينا يدُ الخَيّاطة، وفي ذلك الوقتِ نَنتَقِلُ إلى نهايةِ الماكِنة.. لِنَدُقَّ وندُقَّ إلى الأسفَل.. حتّى نُكمِلَ خِياطة ثوبٍ أو سِروالٍ أو قميص.
ثمّ اقَتَربَت الكبيرةُ مِن الصغيرة.. وقالت لها:
ـ تَعالَي.. والمُسِي نِهايتي المُدَبَّبة..
لَمَسَت الإبرةُ الصغيرةُ نهايتَها.. فوَجَدتها حادّة، صاحت:
ـ آي!!.. إنّها حادّةٌ كثيراً ومُؤلمة!
رَدَّت عليها الإبرةُ الكبيرة:
ـ إنّها كذلك.. لأنّها خاطَت الكثيرَ مِن الملابسِ للناس.
فكَّرت الإبرةُ الصغيرةُ قليلاً.. ثمّ قالت:
ـ لكنّي لا أوَدُّ أن تكونَ نهايتي مِثلَ نهايتِك.. حتّى لا تكونَ مُتَوحِّشةً ومُؤلمة!
ضَحِكَت الإبرةُ الكبيرة، وقالت:
ـ إنّها لا تكونُ مُتَوحِّشَةً ومُؤلمةً إلاّ في يَدِ مَن لا خِبرةَ له في الخِياطة.
قالَت الإبرةُ الصغيرة، بعد تفكيرٍ طويل:
ـ على أيِّ حال.. أنا لا أوَدُّ أن أكوَن كذلك.. إنَّهُ مِن الصَّعبِ علَيَّ أن أهبِطَ وأصعَد.. وأظلَّ أهبِطَ وأصعَدَ طِيلةَ أيّامٍ كثيرة.
ثمّ صَمَتَت الصغيرة، وظَلَّت الكبيرةُ صامِتةً أيضاً. راحَت الإبرةُ الصغيرةُ تَتخيَّلُ جِسمَها الصغيرَ يَعلُو ويَهبِط، ويَعلو ويهبط.. حتّى يتكسَّرَ، وتَتَطايرَ أجزاؤه.
وبينما الإبرةُ الصغيرةُ في هذا الخيال.. امتَدَّت يدُ الخيّاطةِ إلى المجرّ، وجَذَبَت الإبرةَ الصغيرة. صاحَت هذهِ الإبرة:
ـ لا أرغَب.. لا أرغَب!
لكنّ الخيّاطةَ وضَعَتها في مكانِها، وهي تَبتسِم.
ورأت الإبرةُ الصغيرةُ خَيطاً أبيضَ يَمتدُّ في الثَّقبِ الموجودِ قربَ رأسِها. صاحت:
ـ ما هذا ؟! ما هذا ؟! أنا لا أُريدُ أن يَمُرَّ برأسي أيُّ خَيط.. ولا أريدُ أن...
في تلكَ اللحظة.. شَغَّلَت الخيّاطة الماكنة. وفجأةً رأت الإبرةُ الصغيرةُ أنّها بَدأت تَعلو وتَهبِط.. تَعلو وتَهبِطُ بسُرعةٍ عجيبة.. فراحَت تَصيح، ومَدَّت ذَنَبَها لِتجرَحَ إصبَعَ الخيّاطة. لكنّ الخيّاطة كانت ماهِرة، فلم تَقدِر الإبرةُ أن تُؤلمَها. ظَلَّت الإبرةُ تَصرخ:
ـ سأتَمزَّق.. سأتَمزَّق.. سأ..
ولم تستطعْ أن تُميِّزَ نفسَها خلالَ سُرعةِ الصُّعودِ والهُبوط. وبعد قليلٍ أحَسَّت أنها بَدأت تَستأنِسُ كثيراً في هذا الصُّعودِ والهُبوط.
في الأخيرِ.. وَجَدَت الإبرةُ الصغيرةُ أنّها قد خاطَت قميصاً صغيراً، وجميلاً.
فَرِحَت الإبرةُ كثيراً لمّا رَأتِ القميصَ الجميل، وتَمَنَّت أن تَظَلَّ تَشتَغِلُ.. وتَشتَغِلُ ليلاً ونهاراً. لكنّ الخيّاطةَ قالَت مُبتَسِمَة:
ـ سَنَستَريحُ قليلاً.