الواجهة » خدمات » مدينة للصغار » شارع القصص » ماذا قالت أنيابُ الثعلب ؟

ماذا قالت أنيابُ الثعلب ؟

أحدُ الثَّعالبِ كان يعيشُ في غابة. وكان هذا الثعلبُ كثيرَ الاعتزازِ بمكرِه، ومُقتنِعاً أن مكرَهُ قادرٌ على أن يُحقِّقَ له ما يُريد.
في يومٍ من الأيام.. جاعَ الثعلب، ولم يَعثرْ على ما يأكُلُه على الرغم مِن بحثِه الطويل. واستَلقى تحت أغصانِ شجرةٍ حزيناً يَحلُم بدجاجةٍ أو أرنب.
بعد لحظات.. حَطَّ غُرابٌ على غُصنِ الشجرة، ونَظَر إلى أسفَل، فرأى الثعلبَ باديَ الحزن، فأشفَق عليه وسأله:
ـ ما بِك ؟
لم يُجِب الثعلب.. بل رفعَ رأسَهُ وتأمّلَ الغُرابَ بنَظَراتٍ مُتفحِّصة، فبَدا له طَعاماً شهيّاً، وقال لنفسِه: « لَحمُ الغُرابِ مُرٌّ كَريه، ولكنّه أفضَلُ مِن الموت جُوعاً ».
ثمّ خاطبَ الغرابَ بصوتٍ حاوَلَ أن يَجعلَهُ مُرتَعشاً ضعيفاً:
ـ آه يا صديقي الغراب! أنا حزين.. لأني مريض.
وسَعَلَ الثعلب سُعالاً مُصطَنعاً، ثمّ تابَعَ الكلامَ مُتسائلاً:
ـ هل صحيحٌ ما سَمِعتُهُ عنكَ يا صديقي الغراب ؟
قال الغراب بِفُضول:
ـ ماذا سَمِعتَ ؟
قال الثعلب:
ـ سمعتُ أنك خَيرُ طبيبٍ في الغابةِ كلِّها.
قال الغرابُ بفَخر:
ـ ما سَمِعتَهُ ليس بعيداً عن الحقيقة. أنا فِعلاً طبيبٌ قدير، وأُقدِّمُ خِبرتي لمن يحتاجُ إليها.
قال الثعلب:
ـ إذَن ماذا تَنتظِر ؟! هيّا اتْرُكِ الغُصنَ وتَعالَ افحَصْني.
فكّرَ الغرابُ لحظات، ثمّ قال للثعلب:
ـ أنت بالتأكيدِ تَجهلُ مِهنةَ الطب، ففَحصُ المريضَ يَتمُّ على مرحلتَين.
في المرحلةِ الأولى أفحَصُ المريضَ وأنا بعيدٌ عنه، فإذا لم أتمكّنْ مِن معرفةِ مرضهِ ألجأ عندئذٍ إلى المرحلةِ الثانية فأقترِبُ من المريضِ وأفحَصُهُ فَحصاً دقيقاً.
قال الثعلب:
ـ هَيّا افحَصْني كما تشاء.
قال الغراب:
ـ افتَحْ فمَك.
أطاعَ الثعلبُ وفتحَ فمَه، فبَدَت أنيابُه لامِعةً حادّةً مُخيفةً جَعَلت الغرابَ يَرتَجفُ، ولكنه ضَحِكَ ضِحكةً مَرِحة، فسألَهُ الثعلبُ بلهجةٍ لا تَخلو مِن لومٍ واستِنكار:
ـ لماذا تَضحك ؟! أليَس من القَسوَةِ أن تَهزَأ بمريضٍ مِسكينٍ مِثلي يُعاني الأوجاع ؟!
قال الغراب:
ـ لقد ضَحِكتُ لأنني تَذكّرتُ نَصيحةَ جَدّي.
قالَ الثعلبُ بتعجّب:
ـ وما هي نصيحة جَدِّك ؟!
قال الغراب:
ـ نصيحةُ جَدّي تُحَذِّرُ من الاقتِراب مِن مريضٍ له أنيابٌ كأنيابِك.
قال الثعلبُ مُتَصنِّعاً الغضبَ والاحتجاج:
ـ عَيبٌ عليك! أتشُكُّ فيَّ ؟! هذه إهانةٌ لا أقبَلُها. وأنا مُستعدٌّ لأنْ أُقسِم...
قاطَعَهُ الغرابُ قائلاً:
ـ لا داعي إلى الكلام، فأنيابُكَ تكلَّمت، وأنا قد صَدَّقتُ ما قالَته.
.. وطارَ الغرابُ بعيداً، تاركاً الثعلبَ جائعاً ناقِماً على أنيابهِ التي فَضَحَت ما يَعتزِمُ أن يَفعَله.