الواجهة » خدمات » مدينة للصغار » شارع القصص » السَّوسَنةُ الصغيرة

السَّوسَنةُ الصغيرة

في باطنِ الأرض... كانت سَوسَنَةٌ صغيرةٌ تعيشُ في بيتٍ مُظلِم، تحتَ التُّراب. السَّوسَنةُ الصغيرةُ تعيشُ هناكَ وحيدةً مُطمئنّةً في قلبِ الظلامِ والسَّكِينَة.
في أحدِ الأيّام.. سَمِعَت على البابِ نَقراً خَفيفاً: تبْ تبْ تبْ.
سألت:
ـ مَنِ الطارِق ؟
أجابَها صوتٌ صغيرٌ لطيفٌ وكئيب:
ـ أنا المَطَر.. أُريدُ الدُّخول!
قالت السَّوسَنةُ الصغيرة:
ـ لا.. لَن يَدخُلَ أحَد!

* * *

بعدَ يَومَين.. سَمِعَت النَّقْرَ الخَفيفَ مرّةً أُخرى على الباب: تبْ تبْ تبْ.
قالت:
ـ مَنِ الطارِق ؟
أجابَها الصوتُ الصغيرُ نَفسُه:
ـ أنا المَطَر.. أُريدُ الدُّخول!
قالت السَّوسَنةُ الصغيرة.
ـ لا.. لا، لَن يَدخُلَ أحَد!

* * *

ظَلَّتِ السَّوسَنةُ الصغيرةُ مُدّةً مِن الزمن.. مُدّةً طويلة جدّاً، لا تَسمَعُ خِلالَها شيئاً.
إلى أن طَرَقَ سَمعَها صوتٌ غريب، كأنّهُ هَمْس: ش ش ش. وكانَ هذا الصوتُ قريباً جدّاً مِن النافِذة.
سألت السَّوسَنةُ الصغيرة:
ـ مَن هناك ؟!
قالَ صوتٌ صغيرٌ واضحٌ مَرِح:
ـ أنا ضَوءُ الشمس.. أُريدُ الدخول!
أجابت السَّوسنةُ الصغيرة:
ـ لا.. لَن يَدخُل أحَد!
وظَلَّت تعيشُ في هُدوءٍ تامّ.
لكنّها بعدَ قليلٍ سَمِعَت مرّةً أُخرى، مِن خلالِ ثَقبِ القُفل: ش ش ش.
سألت:
ـ مَن هناك ؟
أجابَها الصوتُ الصغيرُ الواضِح:
ـ أنا ضَوءُ الشمس.. افتَحي لي.
قالت السوسنة الصغيرة:
ـ لا.. لن يَدخُل أحد!

* * *

بعدَ عِدّةِ أيّام.. سَمِعت على النافذة: تبْ تبْ تبْ. وسَمِعت مِن خِلالِ ثَقب القُفل: ش ش ش...
صاحت:
ـ مَن هناك ؟
هَتَفَ الصَّوتانِ الصغيرانِ سَويّةً:
ـ نحنُ المَطرُ وضَوءُ الشمس.. المطر وضوء الشمس.. نُريدُ الدخول!
أجابت السوسنةُ الصغيرة:
ـ ما دُمتُما هنا معاً أنتُما الاثنان.. فمِن واجِبي أن أفتَحَ لكما!
فَتَحت البابَ قليلاً جدّاً جدّاً.. فانسَلَّ الاثنانِ إلى داخِلِ البيت.
أمسَكَ ضوءُ الشمسِ بيدِها اليُسرى، وأمسَكَ المطرُ بيدِها اليُمنى.. وسارا بها سريعاً سريعاً إلى الأعلى.. ثمّ قالا لها:
ـ مُدّي الآنَ رأسَكِ من خلالِ التراب!
مَدَّت السوسنةُ الصغيرةُ رأسَها.. فإذا هي في وَسَطِ حديقةٍ رائعة، لم يكن فيها مِن الأزهار الشيءُ الكثير.
حَيَّتها العَصافيرُ بالأناشيد، وأدفَأت أشعَةُ الشمسِ رأسَها الورديَّ الصغير.
بعد هذا بقليل.. وَصلَ الأطفال، فصَفَّقوا لمّا رأوها، وهَتَفوا فَرِحِين:
ـ ترا.. ري.. رو! جاءَ الربيع، عادَ الربيعُ مرّةً أخرى.
وعندئذٍ.. أحَسَّت السوسنةُ الصغيرة أنها في مُنتهى السعادة.