الفأس

كان الوقتُ صباحاً.
الغابةُ الجميلةُ ما تَزالُ غافِيَة..
عِندما ارتَفَعَ لَحْنُ زَهرةِ عَرْف الدِّيك: « قُوقُولي قُوقو »، « قُوقولي قُوقُو »..
راحَ الصَّوتُ يَعْلُو ويَعْلو: « قُوقولي قُوقو.. »، وأخَذ يَلِفُّ في كلِّ مكانٍ مِن الغابة.
وَصَلَ إلى الأشجار.. فأفاقَت.
بَلَغَ الأزهارَ.. فتَفتّحَتْ أوراقُها المُلَوَّنة.
( الفُطْرُ ) اللاّصِقُ بالأرضِ بلا جُذور.. هُو وَحْدَهُ الذي ما كانَ راضياً. كانَ يَغيظُهُ أنْ تَشعُرَ الأزهارُ بالبَهجَةِ والسُّرور.
الفُطْرُ لا يُحِبُّ لِلغابةِ أنْ تَستَيقظَ. كان يتَمنّى دائماً للغابةِ الإبادةَ والفَناء.
في ذلكِ اليوم، ضَحِك بَغتَةً.. بَعدَ مُدّةٍ طويلةٍ مِن السُّكوت.
تُرى.. ما الّذي جَعلَهُ راضِياً مَسروراً ؟
لَم يَفطِنْ أحدٌ إلى ضِحْكتِه. الغابةُ كانَت مَلآى بالفَرَحِ والابتِهاج؛ الزَّهرةُ ذاتُ البُوقِ كانَت ما تَزالُ في هُدوءٍ واطمِئنان.
فجأةً...
صَمَتَتِ الأشجار، ولَمْلَمتِ الأزهارُ أوراقَها الملوَّنة.
الوردُ الأحمرُ أيقَظَ ـ بقَلَقٍ وعَجَل ـ الزَّهرَةَ ذاتَ البُوق:
« الفأس! الفأس المُدمِّرة آتِيَة! الفأسُ آتيَة! ».
أفاقَت الزَّهرةُ ذاتُ البُوق مَرعُوبة، وبسُرعَةٍ أخَذَت تَنفخُ في بُوقِها: « خَطَر! خَطَر! استَعِدوّا! ».
ولكنْ.. قد فاتَ الوقت. الأشجارُ والأزهارُ كلُّها قد فُوجِئتْ على حِينِ غَفلَة.
الفأسُ وَصَلتْ إلى الغابة!
امتَلأت الغابةُ بالرُّعْب والصَّمْت.
سَمِعَتِ الفأسُ صَوتَ ارتِجافِ الشّجَر. واتَقَدّمتْ بِصَدْرٍ مرُتَفعٍ وخُطُوات واثِقة.. وقَطَعَتْ إحدى الشَّجَرات.
بَعْدَها مَضَتْ نحوَ شجرةِ تفّاحٍ عَتيقة.
ضَرَباتُ الفأس القويّة جَعَلتْ بَدَنَ شجرةِ التفّاح يَهْتزّ، فانْهَمَرَ مَطَرُ التفّاح.
الفُطرُ الخَبيثُ الذي كانَ يَتفَرّجُ على إبادةِ شجرةِ التفّاح فَرِحاً.. اندَفنَ تحتَ التفّاح.
هَوَتْ شجرةُ التفّاح القديمةُ المُعمَّرةُ على الأرض، فاهتَزَّتِ الغابة!
اشتَدَّ خَوفُ الأشجارِ والأزهار.
كانَتِ الفأسُ فَرِحَة، في غايةِ الفَرَح. هَجَمَتْ على الأشجارِ ـ المُسِنَّة منها والشابّة، الطويلة والقصيرة ـ وألْقَتْها على التراب.
كلُّ الشجارِ كانت خائفة. الأزهارُ كانَتْ تَرتَجِف. ولكنّ إحدى الشَّجَرات عَزَمَتْ أنْ تَقِفَ في وَجهِ الفأس.
كانَت تُريدُ أن تُحطِّمَ الفأس.
وهَجَمَتْ على الفأس.
الفأسُ خافَت. خافَت كثيراً. ولكنّها تَذكّرتْ في تلكَ اللَّحظةِ أنّ الشَّجَرةَ مَهْما كانت قويّة، فإنّها وَحيدة.
عاوَدَها الأمَل. ضَرَبَتِ الشجرةَ ضَربة، فَسَقَطَ أحدُ أغصانِها. ضَربَةٌ أُخرى قَضَتْ على بَقيّةِ الغُصُون.
هَجَمَتْ على بَدَنِ الشّجرة. وبِضَرْبَتَينِ أخيرتَينِ انتهى الأمر. وَقَعَتِ الشجرةُ على التُّراب. ماذا يُمكِنُها أن تَفعَل ؟! لَقد كانت وَحيدة!
حياةُ الكثيرِ من الأشجار انطَفأتْ. كانت الفأسُ ظافِرة. لم يَعُدْ في الغابةِ لا بُكاء، ولا خوف.. الغابةُ كانَت قد ماتَت.
الفأسُ ضَحِكَتْ بِفَرحٍ وغُرور.
فكّرتْ في نفسِها: « سأُبِيدُ كلَّ الغابات. سأقطَعُ كلَّ الشَّجَر، أنا الفأس.. الفأس.. الفأس »!
مَشَتْ إلى غابةٍ أخرى.
وَقْعُ أقدامِها يُجَلْجِلُ في الطريق؛ الفأس.. الفأس.. الفأس.
الأزهارُ ذَواتُ الأبواقِ في الغابةِ المُجاوِرَة ـ وهي حَذرِة دائماً ومُتَيقِّظةٌ ولها سَمْع مُرْهَف ـ سَمِعَتْ وَقْعَ أقدامِ الفأس.
صاحَتْ: « إستَعدُّوا »! فَمَلأت صَيحَتُها أرجاءَ الغابة. وسَمِعَتْها الأشجارُ والأزهار.. فاستَعدَّتْ.
أغصانُ الأشجارِ أمسَك بَعضُها بيدِ بَعض، واحتَضَنَ كلٌّ مِنها الآخرَ بمحبّةٍ كالأصدقاء. تَجَمّعَتْ سِيقانُها وانْجَدَلَتْ كالضَّفائر.
وَقْعُ الأقدامِ اقترَبَ أكثر.. أمّا الغابةُ فقد كانَت على استِعداد.
وَصَلَتِ الفأسُ إلى الغابة.
ولكنْ.. ماذا وَجَدَت ؟جَميعُ الأشجارِ والأزهار والجُذوِر قد صارَتْ واحدة. الغابةُ تَحَوّلتْ إلى شجرةٍ واحدةٍ، شجرةٍ كبيرةٍ كبيرة.
الفأسُ خافَت. ما كانَ في وُسْعِها أنْ تَعملَ شيئاً.
أرادَتْ ـ مِن الخَوفِ ـ أن تَفِرّ.
ولكنّ الوقتَ كانَ مُتأخِّراً.
التَفَّتِ الأغصانُ على يَدَي الفأسِ ورِجْلَيها.. وأَسَرَتْها.
أنغامُ النَّصر مَلأتْ أرجاءَ الغابة.
بَعدَ هذا.. حَمَلتِ الرِّيحُ نَشيدَ انتصارِ الغابةِ إلى البَعيد، وأوصَلَتْه إلى بَقيّةِ الطُّيورِ والأشجارِ والأزهار.
ومُنذُ ذلك الوقتِ صارَت هذهِ كُلُّهاتَفهم أنّ انتصارَها ممكنٌ فقط عندما يكونُ بعضُها مع بعض.