الواجهة » خدمات » مدينة للصغار » شارع القصص » السمكُ العَنيد!

السمكُ العَنيد!

اعتادَت مجموعةٌ من السمكِ مِن نوعٍ مُعيَّن أن تُسافِرَ كلَّ عامٍ إلى مَواطنَ مياهٍ جديدة، في رِحلةٍ جديدة.
أنواعُ السمكِ الأخرى كانت تَنظُرُ إلى هذه المجموعة بدهشةٍ واستِغراب، وهي تَراها تُهاجِرُ بعكسِ التيّار، وتَتحملُ التَّعبَ والمَشَقّات، وتَفقِدُ أثناءَ السَّفرِ أعداداً كثيرةً منها.
وعندما كانت الأسماكُ الأخرى تَسألُها عن سِرِّ رِحلتِها هذه.. كانت جُموعُ هذا السمكِ تُجيب:
ـ نحنُ أسماكٌ نُحبُّ السَّفَر، ونَحلُمُ طِيلةَ الفُصول بموعدِ هذِه الرِّحلةِ الكبرى التي يُشارك فيها كلُّ أفرادِ أُسرتِنا السَّمَكيّةِ الصغيرة.
ولمّا كانت الأسماكُ التي لا تفُارق أماكنَها تَقضي وقتاً مُسَلّياً بمراقبةِ هذا النوع من السمكِ وهو يَستعدُّ للرحيل.. كانت تَتمنّى أن يُغيّرَ رأيَهُ فيَعدِلُ عن عزمهِ على السفر ويَظَلَّ معها يَلهو ويَلعب. لكنّه نوعٌ من السمكِ عَنيدٌ في عزمهِ، وقد نَصَحتْهُ أنواعُ السمكِ الأخرى أكثرَ مِن مرّة، فلم يَسمَع.
أمّا نَصيحتُها هذه المرّةَ فقد كانت خَوفاً مِن العاصفةِ التي بدأتْ نُذُرها فوقَ سطحِ الماء، وسوفَ تُحرِّكُ أعماقَ التيّارات.
وعندما أعلَنَت مَخاوِفَها للسمكِ العَنيد أجابَ ضاحكاً:
ـ إنّ مَن يُحبُّ اكتشافَ المجهولِ والتعرُّفَ على حقائقِ العوالِمِ الأخرى لا تَهمُّهُ الصِّعاب، ولا تَقِفُ في وجههِ المَخاطِر.
صَمَتتْ أنواعُ السمكِ بِحُزن، وقد أحَسَّت أنّها رُبَّما لن تَرى هذا النوعَ من السمكِ مرّةً أخرى.
بعدئذٍ.. هاجَ البحر، واشتَدَّت العاصِفة، واضطَرَبَ الموَج.. ولجأ أكثرُ الأسماكِ إلى قاعِ البحرِ لِيختَبئَ هناك.

* * *

بعدَ أيّام ـ وقد هَدأ كلُّ شيء ـ سَمِعَت الأسماكُ صوتاً يَشُقُّ ثَنايا الماء، ورأت ألواناً فِضيّة بَرّاقةً تَلمعُ بين الأمواج.. فأيقنَتْ أن السمكَ العَنيد قد كُتِبَتْ له النجاة.. فأسرَعَتْ نَحوهُ تُحيطُ به لِتهنّئَهُ بعَودتِه سالماً. وعند ذلك أبصَرَتْ أنّ أكثرَ أسماكهِ قد ازدادَتْ بَريقاً وعافية، وأنّ منها مَن يَحملُ في عَينَيهِ أسراراً جديدةً بَعد الرِّحلة.
أمّا كبيرُ السمك.. فقد عَلِقَت بَين حَراشِفهِ أنواعٌ عجيبةٌ من الأعشابِ الملوّنة، وأطبَقَ فَكَّهُ على لُؤلؤةٍ نادِرةٍ أتى بها مِن رحلةِ المُغامَرَة والاكتِشاف. وتَحدَّثَ لها عمّا اكتَسَبَهُ مِن معلومات، وما اخَتَزَنَهُ في ذِهنهِ من خرائط لأعماقِ البحر.
شاهَدَ السمكُ ما حَصَلَ عليهِ السمكُ العنيد، فنَدِمَ على تَسميتها بالسمكِ العنيد، كما تمنّى لو أنّه رافَقَهُ في رِحلتهِ المُدهِشةِ إلى الصُّخورِ الملوّنة، والشُّعَبِ المرَجانيةِ وقِيعانِ البحار الرائعةِ الجمال.