غيمة في الغابة


قالَ لي العُصفورُ:
ـ كَم كانَ بِوُدّي لو تَعَرّفْتَ إلى الغَيمة ؟
قلت له:
ـ ولكنّ الغيوم تَمُرُّ فوقَ بَيتِنا يوميّاً، ولم أُفكِّر في يومٍ من الأيّامِ بالتعرّفِ إلى إحداهُنّ.
فقاطع العصفور كلامي وقال:
ـ لا.. لا أقصدُ هذه الغيوم. أقصدُ غيمةً واحدةً زارَت غابَتَنا قبل أيّام.
سألتُ العُصفورَ:
ـ وما قِصّةُ هذه الغيمةِ يا تُرى ؟
قال:
ـ بَنى لَقلَقٌ عُشَّه فوقَ أعلى الأشجار، وبرغمِ حَجمهِ الكبيرِ وسِيقانهِ الطويلة، كانَ هذا اللقلقُ مُتواضِعاً وطَيّبَ القلب، ولأنّ هذا اللقلق كانَ صادقاً في كلٍّ ما يَقولُه، فقد كان يُصَدِّقُ كلَّ ما يَسمَع. وذاتَ مرّةٍ حينَ كان يُحلِّقُ قريباً من الماء، أخرَجَت سَمكةٌ رأسَها من الماء وقالت له:
ـ أيّها اللَّقلقُ الطيّب، هل تُساعِدُني في بناءِ بَيتي في أعماقِ النهر ؟
فسارع اللَّقلقُ مِن دُونِ أن يُفكِّرَ إلى إدخالِ رأسِهِ ورَقَبتِه في الماء، وكادَ يَختَنقُ قبلَ أن تُنقِذَهُ اللَّقالِقُ الأُخرى التي حَمَلَته إلى الشاطئ، وحينَ فَتحَ عَينَيه نَظرَ إلى المياه، فرأى السمكةَ وهي تَضحَكُ، لقد كانت تَسخَرُ منه! فقالَ في نفسِه: لَم أفعَلْ ما يَجعَلُكِ تَضحَيكن.. لقد كنتُ أُفكِّرُ في مُساعدتِك..
وهناك.. الكثير.. الكثير من الحكايات التي تَدُلُّ على طِيبةِ قلبِ لَقلَقِنا. وكان جميعُ سُكّانِ الغابة يَعرِفونَ ذلك.. وحينَ حَلَّقت إحدى الغُيومِ فوقَ غابَتِنا سَمِعَت هي الأُخرى بأخبارِ اللقلقِ فظَلّت تُحلِّقُ دائماً قريباً من الشجرةِ التي بنى عليها اللقلقُ عُشَّه.
وذاتَ يوم دخلَ إلى الغابةِ صيّادُ طُيور.. وحَدَثَ مُصادَفةً أنْ وَقفَ الصيّادُ تحتَ هذه الشجرةِ، ونَظرَ إلى أعلى، وأرادَ أن يَصطادَ اللَّقلقَ المِسكين. وحينَ وجَّهَ الصيّادُ بُندقيّتَهُ، أدرَكَت الغَيمةُ أنّ الصيّادَ يَقصدُ قَتْلَ اللَّقلق، ومن دونِ أن تُفكِّر أسرَعَتِ الغَيمةُ إلى الوقوفِ بين اللَّقلقِ والصيّاد، فصارَ الصيّادُ لا يرى شيئاً أمامَهُ ومَع ذلكَ فقد أطلَقَ الصيّادُ الرَّصاص، ولم يُصَب اللَّقلقُ بأذى، فلقد أصطَدَمَت الرَّصاصاتُ التي أطلَقَها الصيّادُ بالغَيمة، ممّا أدّى إلى أن تُثقَبَ الغَيمة عدّةَ ثُقوب، فسَقَطَت أمطارُها، واختَفَت الغيمة. وحين ذَهَب الصيّادُ أخرَجَ اللَّقلق رأسَهُ مِن عُشِّه وقال لي:
ـ المسكينةُ، لقد ضَحَّتْ بحياتِها مِن أجلي، ألم أقُل لكم: إنّني لستُ أكثرَ طِيبةً من الآخَرينَ، فالجميعُ طَيّبون ؟!