الواجهة » خدمات » مدينة للصغار » شارع القصص » حكايةُ السِّنديانة والأفعى

حكايةُ السِّنديانة والأفعى


أغمَضَ البُلبلُ العَجوزُ عَينَيه مرّةً أُخرى، وحاوَلَ أن يَنام، لكنّه لَم يَستَطيع، فقد ضَلّت السِّندِيانةُ تَئِنُّ وتَنوحُ طوالَ الليل.
وقُبَيل الفجر، جاءت الريحُ مِن بعيد، وهي تَسُوق الغُيومَ أمامَها، وما إن سَمِعَت السِّندِيانةُ تبكي حتّى تَوَجَّهت إليها وسألَتْها بِحَنان:
ـ أراكِ تَبكينَ يا عزيزتي، هل أنت عَطشى ؟
رَفَعت السِّنديانةُ عينَيها الدامِعَتَين إلى الريح، وقالت:
لا! ولكنّني وحيدة.
تَمَلملتِ الغُيومُ المُثقَلةُ بالأمطار، وقالت:
ـ سوف نتأخّر. وقالَت الريحُ للسِّنديانة:
ـ كان بِوُدّي أنْ أبقى معكِ ولكن..
تَنهّدتِ السّنديانةُ، وقالت بأسى:
ـ لقد هَجَرتْني جَميعُ..
تَمَلملت الغيومُ ثانيةً، فقالت الريح، وهي تَتأهّب للسَّير:
ـ سامِحيني يا عزيزتي، لا أستطيع أن أبقى، إنّ الحُقولَ عَطشى، ويجبُ أن أُسرِعَ بالغُيوم إليها.
ومَضَتِ الريحُ نحوَ الحُقولِ البعيدةِ، والغيومُ تَتَدحرَجُ أمامَها.
فتَمتَمتِ السنديانةُ وهي تَنوح:
ـ آه.. لا يُريدُ أحدٌ أن يُصغي إلَيّ!
أطلَّ البلبلُ العَجوزُ من عُشّه، وقال:
ـ لا تبكي يا عزيزتي، إنّني أُصْغـ..
لكنَّ السنديانة قاطَعَتهُ بصوتٍ مُتَهدّجٍ:
ـ ما الذي يُبقيكَ هنا! هاجِرْ، هاجِر أنتَ أيضاً، لَم أَعد أُريدُ أحداً!
قالَ البلبلُ العَجوز: لا.. لن أُهاجِر.
فقالت السنديانةُ وهي تَنشج:
ـ لو كُنتَ قادراً على الهجرةِ لَتَركتَني، وهاجَرَت كالآخَرين!
ارتَفَعَ نَشيجُ السنديانةِ، وسَمِعتها نَحلةٌ كانت عائدةً إلى خَليّتها، فتَوَجّهت إليها، وهَمّت أن تَسألَها عمّا بها، لكنّها حينَ رأتِ الأعشاشَ خاويةً قالت مَدهوشةً:
ـ أين مَضَتِ البَلابِل ؟!
وقبل أن تُجيبَ السنديانةُ بشيء، ارتَفَعَ فَحيحٌ رهيبٌ مِن أسفَلِ الشجرة، فتَمتَمتِ النحلةُ:
ـ أفعى!
قالتِ السنديانةُ وهي تَنشِج:
ـ لقد هاجَرَ الجميعُ خوفاً منها.
ـ وتَركوكِ وَحْدَكِ!
ـ نَعم تَركوني للأفعى.
ـ نحنُ لا نُهاجِر ونَترُكُ خَليَّتنا للأعداءِ حين يُهاجِمونَها، بل نُقاتِلُ صَفّاً واحداً دفاعاً عنها.
انتَفَضَ البلبلُ العجوز، وانطَلقَ باتجاهِ النهر، فقالت السنديانةُ بمرارة:
ـ ها هو البُلبلُ العَجوزُ يُهاجِرُ أيضاً!
عَبَرَ البلبلُ العجوزُ النهرَ، وراحَ يُنادي على البلابِل.. فلَم تَمضِ
إلاّ لَحظاتٌ حتّى كانَ الجميعُ حَولَه، فقال لهم:
ـ أبنائي، إنّ السنديانةَ بحاجةٍ إليكم، يَجبُ أن تَعودوا.

احتجَّتِ البلابلُ، وارتَفَع أكثرُ مِن صَوت:
ـ والأفعى ؟!
ـ لقد هَلَك الكثيرُ منّا!
ـ نحنُ هنا في أمان.
ـ لن نَعود.
فصاحَ البلبلُ العجوز، وهو يَهِبُّ مِن مكانِه:
ـ سأعودُ وَحدي، وأُقاتِل الأفعى السوداء! ما دُمتُم تَرفُضونَ العَودة.
وحلّق البلبلُ العجوزُ عالياً، وانطَلَق وحيداً باتّجاهِ النهر، لكنّه سُرعانَ ما سَمِعَ وراءه رَفيفَ أجنِحَةٍ فَتيّة، فمضى قُدُماً والفَرَحُ يملأ قلبَه، وكلّما كانَ يَقتربُ من السنديانة كانَ رفيفُ الأجنحةِ وراءه يَزدادُ.. ويَزدادُ.. ويَزداد!

( عن مجلة الهدى، العدد 137 )