حمزة سيّد الشهداء

الوقتُ ضُحيً.. وسادةُ قريشٍ يَتَوافَدونَ إلى النادي، الواحدَ تِلْوَ الآخَر، ولا حديثَ لَهُم إلاّ هذا الدينُ الجديدُ الَّذي أَتاهُم به مُحمَّد صلّى الله عليه وآله وسلّم. وَيَكتَمِلُ الجَمْعُ بأبي جَهلٍ يَدخُلُ الناديَ، سَاحِباً رِداءَ هُ، شامِخاً بِعُنُقِهِ، ويُلِقي على الجَمْعِ المُحتَشِدِ تَحيَّةً عَجْلي، ويأخُذُ مكانهُ في وَسَطِ بَني مَخْزوم، وتُلاحِقُهُ عُيونُ الحاضرينَ، فَما لأبي جهلٍ مُقَطِّب الجَبينِ، مُكفَهِرّ الوجهِ، غاضِب ؟!
وَيتنفّسُ طاغِيَةُ قُرَيشٍ الصُّعَداء، .. وَقد عَلِمَ أَنَّ القَومَ يَشعُرونَ بِما تَنطَوي عليه ضُلوعُهُ من غَضَبٍ دَفينٍ وحِقدٍ مكبوتٍ وَحَنَقٍ جامِحٍ، فَيُبادِرُهُم بِلهجَتِهِ الصاخِبَةِ، و كأنَّهُ البَعيرُ الهَائِج:
ـ إنَّ محمّداً هذا لَن يَدَعَنا وَشأنَنَا، حَتَّى يَكونَ بَينَنا وَبَيْنَهُ شَرٌّ مُستَطير.
لقَد لَقِيتُة منذُ قليلٍ وأنا في طريقي إليكُم، فَنِلْتُ مِنهُ ومِنْ دِينِهِ الجَديد.
ـ وَماذَا كَانَ رَدُّهُ عَلَيكَ يا أَبا الحَكَم ؟
ـ وَبِمَ عَساهُ يَرُدُّ؟! لاذَ بالصَّمت، وَلا جَوابَ!
ـ أيَّدَتْكَ آلِهَةُ مَكَّةَ كُلُّها يا سيّدَ قَرَيشٍ، وحَماكَ هُبَل!
ويَخوضُ القَوم في هذا الحَديثِ، ويَتَشَعَّبُ الكَلامُ فيه، إنَّهُ حديثُ قُرَيشٍ كُلِّها لَيلَ نَهَار..

* * *

ـ يَا أبا عُمارَة، يا أبا عُمارَة!
وَيَنتَفِضُ حَمزَةُ لِصَوتِ امرأةٍ تُنَاديه، وقد قَطَعَتْ عَلَيهِ حَبلَ تَفكيرِه، وَهُوَ عائِدٌ منَ القَنْص.
وَيَلتَفِتُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، مُوقِفاً جَوادَهُ المَنهوكَ، ويَتَطلَّعُ حَيثُ الصوتُ، جِهَةَ الصَّفا:
ـ مَن المُنادي؟
ـ أنا يا حَمزَة، تَرَيَّثْ قَليلاً، سآتيك..
وَيَنتَظِرُها، إنَّها مَولاةُ عبدِاللهِ بنِ جَدْعانَ، تَنحَدِرُ إليه مِن مَسكَنِها فَوقَ الصَّفا.
تُرَى مَاذا تُريدُ منهُ، لَعلَّها تَحمِلُ إليهِ خَبَراً، أو لَعلَّ أمراً دَهاها فهِيَ بِهِ تَستَغِيث.
ـ مَا بِكِ ؟.. هيَّا!..
وَبِلَهجَةٍ يَمتَزِجُ فيها الحُزنُ والاضطِرابُ، تُجيبُ بِصَوتٍ مُتَهَدِّج:
ـ لَوْ رأَيْتَ يَا حَمزَةُ، مَا لَقِيَ ابنُ أَخيكَ محمّدٌ مِن (أبي جَهلٍ)، آنِفاً!.. (أي سابقاً) وَجَدَهُ هاهُنَا، فآذاهُ وَشَتَمَهُ، وَبَلَغَ ما يَكْرَهُ، ثمّ انصَرَفَ عنهُ وَلَم يُكَلِّمْهُ مُحَمَّد.
ـ أَحَقّاً ما تَقولين؟
- إي والله، بِعَينَيَّ هَاتينِ شاهَدْتُ، وبِأُذُنَيَّ هاتَينِ سَمِعْتُ.
فَتَحْمَرُّ عَينا حَمزَةَ لِمَا يَسمَعُ، وَيُسَيطرُ عَلَيهِ الغَضَبُ، فيَهْمِزُ جَوادَهُ.. وكالرِّيحِ العاصِفَةِ، وكالزَّلْزالِ المُدَمِّر ـ يَتَّجِهُ لِتوِّه ( أي: حالاً ) إلى نادي قُرَيشٍ في المَسجِدِ، فالوَيْلُ لِمَن نَالَ مِن ابنِ أخيهِ مُحَمَّدٍ، كائناً مَن كَانَ أيؤْذَى مُحَمَّدٌ وَيَسكُتُ عَن ذَلِك ؟
واللهِ إِنَّ ذلكَ لَن يكونَ أبداً!
وَكَانَ مِن عَادةِ حَمزَةَ عِندَما يَعودُ من القَنصِ، أن يَطوفَ بالكَعبَةِ قَبلَ دُخُولِهِ مَنزِلَهُ، فَيَمرَّ على نادي قريشٍ مَسَلِّماً عليهم و مُتَحَدِّثاً إليهم، فهُوَ أعَزُّ قُريشٍ وأشَدُّها شَكِيمَةً، وكانَ حَتَّى يَومَئِذٍ يُخفي إيمانَه، ويَتظاهرُ أنّه على دِينِ قَرَيش.
ولكنَّهُ هذَا اليَومَ غَيَّرَ من عادَتِهِ؛ فَلَم يَطُفْ بالكَعبَةِ كَما كَانَ يَفْعَلُ دائماً.. ولم يُسَلِّمْ عَلى من صَادَفَهُ في طريقِهِ..
إنَّهُ يَمتَطِي جَوَادَه، وَ رِجلاَهُ تَخُطَّانَ علَى الأرضِ، وَكَأَنَّهُ قِطَعَةٌ مِن جَبَل. وَيَتَرجَّلُ حَمزَةُ عَن جَوَادِهِ، أمامَ المَسجِدِ، وَيَدخُلُ وقد عَلَتْ الأصواتُ، وارتَفَعَتْ القَهقَهاتُ، فَيسكُتونَ!
وَبِعَينَينِ تَقدَحَانِ شَرَراً يَتَفَرَّسُ في الوُجوهِ مُحَدِّقاً.
وَيُهَمهِمُ بَعضُهم: إنَّ أمرَ ابنِ عَبدِ المُطَّلِبِ اليومَ لَمُرِيب!..
وَيَتَقَدَّمُ حَمزةُ إلى صدْرِ المجلِسِ، حَيثُ استقَّرَ أَبوجهلٍ وقدْ اكتَنَفَهُ رِجالٌ مِن بَني مَخزوم، وَيَهوي بِقَوسٍ في يدِهِ عَلَى رأسِ أبي جَهلٍ فَيَشِجُّهُ، رَافِعاً صوتَه مُجَلجِلاً بالتحدّي:
أَتشتُمُ محَمداً وَتَسُبُّهُ ؟! أنا أشهَدُ أنَّهُ رَسولُ الله، وأنا علَى دِينِه أقولُ ما يقولُ، وإنَّ الَّذي يقولُ هو الحقّ، فَرُدَّ عَلَيَّ ذلك إنِ استَطَعتَ!.
وَ يُتابِع، مُلتَفِتاً إلى الرِّجال المُتَحفِّزينَ حَولَهُ:
ـ وامنَعوني إن كنتُم صادقين!
ويُخَضِّبُ الدَّمُ رَأسَ أبي جَهلٍ وَوَجهَهُ وَلِحيَتَهُ، فَيُصبِحُ كالشَّيطانِ الرَّجيم!
وتعلو الأصواتُ، ويَختَلِط بعضُها بِبَعض.
ويقومُ بعضُ بني مَخزوم لِينصرُوا أبا جهلٍ في المجلس.. وتكادُ تَقَعُ فِتنَةٌ ويثورُ شرٌّ عظيمٌ لولا أن وَقَفَ أبوجَهلٍ مَشِيراً بيديه إلَى مَن حَولَهُ وَهو يقولُ لَهُم بصوتٍ كالفَحيح:
ـ إيه يا قومُ! دَعُوا أبا عُمارةَ، فَإِنّي واللهِ قَد سَبَبتُ ابنَ أخيهِ سَبّاً قَبيحاً.
فَيَهدَأون، ويَنْسَحِبونَ من المَجلِسِ تِباعاً، وهم يُتَمتِمونَ بِوُجوم:
ـ اليومَ عزَّ محمدٌ وامتَنَعَ!
وَهكذا يَنصُر اللهُ تعالى الإسلامَ بِسَيفِ حَمزة، وَشَجاعَتِه.
فَتَكُفُّ قَرَيشٌ يَدَهَا عن النَّبيِّ، وقد أيَّدَهُ اللهُ بَنَصرِه، وَبِسَيفَينِ لاَيَقِفُ بوجهِهِما شيءٌ: سيفِ عليٍّ ذي الفَقَارِ، وسيفِ حمزةَ تَلتَمِعُ شَفرَتُهُ كَشُعلةٍ مِن نار!..

* * *

وَتَرَى قريشٌ في إسلامِ حَمزَةَ مَرحَلَةً مَتَقَدِّمةً جِدّاً للدّينِ الجَديد.
فَرِجالاتُ قريشٍ يَعرِفونَ حَمزَةَ جَيّداً: أنهُ الطِّيبُ ابنُ الطَّيِّبينَ، والشريفُ ابنُ الأشراف.
أبوهُ: عَبدُالمُطَّلِب بنُ هاشم.
وامُّهُ هالَةُ بنتُ وَهيبِ بنِ عبدِ مَنافٍ، ابنَةُ عَمّ آمِنَةَ بِنتِ وَهَبٍ.
وهو شقيقُ صَفِيَّةَ بِنتِ عَبد المُطّلِب أُمِّ الزُبيرِ.
وَهُوَ عَمُّ الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأخوهُ منَ الرَّضاعَةِ، وقد أَرضَعَتْهُما ثُوَيبةُ مَولاةُ أبي لَهَب وما مَعني هذا ؟
هَذا يُشِيرُ إلى أَنَّ العَلاقة بَينَ حَمزَة والنبيِ، كَانَتْ عَلاقَةَ الأخِ بأخيهِ أكثرَ مَمَّا هي علاقَةُ الفتى بَعَمِّه. إذ أَنَّ حَمزَةَ كَانَ يَكبُرُ النَّبِيَّ بِسَنَتَينِ فَقَط، فَيَومَ خَطَبَ النبيُّ خَديجَةَ كَانَ عُمُرُه الشريفُ خَمسةً وعشرين عاماً حينَدَاكَ، وَقد خَطَبَها له أعمامُهُ، وحمزةُ منهُم، وَكَان عُمُرُ حمزة إذ ذَاكَ سَبَعَةً وعشرينَ عاماً فَهو، والحالَةُ هذهِ، أقرَبُ النَّاسِ صِلةً بمشاعِرِ النَّبيِّ وأَحَاسِيسِه.
وَيبدَأُ نَجمُ حَمزَةَ بالصُّعودِ لامِعَاً، مُتَلأْلِئاً، مُتَألِّقاً، وقَد انخَرَطَ في سِلْكِ المُسلمين المجاهدين، لَهُ مَا لَهُم، وعليه ما عليهِم.
كما هَاجَرَ مَع المهاجرِينَ إلى المَدينَةِ.
وَيَومَ وَقَفَ النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم للمُؤَاخاةِ بَينَ المُهاجِريِنَ وَالأنصارِ.. كانَ يُحيطَ بِهِ عليٌّ عليه السّلام من جِهَة، وَعَمُّه حَمزَةُ من جِهةٍ ثانِيَة.. وَيُشير الرَّسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المسلمينَ: مُهَاجِرينَ وأنصاراً، بِالاقتِراب، فَيَقتَرِبون.
ويقولُ لهم: « تآخَوا فِي اللهِ أخَوَين أَخَوَينِ ».
وَيأخُذ بيدِ عليٍ قائلاً: « هذا أَخي ».
هذا أخي!.. الله، الله!.. بارَكَ اللهُ لَكَ ولنا هذِه النِّعمَةَ يا أبا الحَسَن! ويُدني حَمزَةَ مِنهُ قائِلاً:
« إنّ حَمزَةَ بنَ عبدِ المُطّلِب أَسدَ الله، وزَيدَ بنَ حارِثَةَ مَولَى رسولِ الله، أخَوَان ». وَيَزدَادُ نَجمُ حَمزةَ رضي الله عنه صُعوداً!

* * *

يَروي المؤرِّخونَ أنَّ أوَّلَ لِواءٍ ـ وكانَ أبيضَ اللَّونِ ـ عَقَدَهُ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كانَ لِحَمزَةَ، وقد بَعَثَهُ النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم علَى رأسِ ثَلاثينَ مِن رجالِهِ إلى ساحِلِ البَحر، لاعْتِراضِ قافلةٍ لِقُريش يَقُودُها أبوجهل، وَمَعَهُ ثَلاثُمِئَةِ رَجُل.
ثلاثونَ يَقفونَ أمامَ ثلاثِمِئَةٍ، يتَحدَّونَهُم!..
وتَرتَعِد فَرائصُ أبي جَهلٍ ( أي: يرتجف خوفاً )، وقَد انتَصَبَ أمَامَهُ حَمزَةُ كالعِملاقِ عَلَي رأسِ رِجَالِهِ الثّلاثينَ المُتَوثّبينَ للانقضاض ( أي للهجوم )، وبحركةٍ عَفويّةٍ تمتّد يَمينُ أبي جهل إلى رأسِهِ، فآثارُ ضَربَةِ حَمزَةَ بالقَوسِ لازالَتْ واضِحَةً، فيزدَادُ رُعباً!
ويشاءُ اللهُ ألاَّ تدَورَ بين الطرفينِ مَعركَة.
وَكَفي اللهُ المؤمِنينَ القِتالَ!
وَيشهَدُ حمزَةُ مَواقِعَ أخرى.. يصول فيها صَولَةَ الأسد الهَصُورِ، ويَنقضُّ انقِضاضَ الصَّقر..
وَيفِرُّ الفُرسانُ أمَامَ هَذَا البَطَلِ المِغوَارِ، والفارِسِ الكرَّارِ، المُعْلَم بريشَةِ نَعامةٍ حمراءَ في خوذَتِهِ وَعلى صَدرِهِ. فريشَةُ النَّعامَةِ هذِهِ شِعارُه في الحَربِ، وَعَلامَةٌ يُعْرَفَ بِها بينَ الفُرسان.

* * *

هاهَوَذا حَمزَةُ في معركَةِ بدرٍ..
إِنَّهُ يَفتَتِحُ المَعركة، وَيَتَصَدّى لبطلِ قُريشٍ الأسودِ المَخزوميِّ، ويُجهِزُ عَليه (أي: يَقتلُه). إنَّها باكورَةُ « مَوقعةِ بدرٍ الكبرى »!..
وَيَخرُجُ عُتبَةُ بنُ رَبيعةَ بينَ أَخِيهِ شَيبَةَ وابنهِ الوليدِ، مِن بَينِ صُفوفِ قَرَيشٍ، مُبَارِزينَ.
فَيَخرُجُ إلَيهِمْ ثَلاَثَةُ فِتيةٍ من الأنصَار.
وَيَرفُضُ الأبطالُ القرَشِيّون الثلاثَةُ مُبَارَزَةَ الفِتيةِ الأنصار؛ فهؤلاء الفِتيَانُ لَيسوا بالأكْفاءِ أمَامُ أبطالِ قُرَيشٍ، السَّادَةِ العِظام!
ويُنادي أحدُهُم:
ـ يا مُحَمَّدُ.. أخرِجْ إلينا أكْفاءنا مِن قَومِنا.
فَقالَ الرسُولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم:
ـ « قُمْ يا عُبَيدةَ بنَ الحارِث، قُمْ يا حَمزَةُ، قُمْ يا عليّ » فيَنهَضونْ.
ولَمَّا دَنَوا مِنهُم، قالوا:
ـ مَن أنتُم؟.
فأجابوا: عُبَيدةُ.. حمزةُ.. عَليُ...
قَالوا: نَعْم. أكفاءٌ كِرامٌ!..
فَبارَزَ عَلِيٌّ الولَيدَ بنَ عُتبَةَ.
وبارز حمزة شيبة بن ربيعة.
وبارَزَ عُبَيدَةُ ـ وَكَانَ أكبَرَهُم سِنّاً ـ عُتبَةَ بنَ رَبيعَةَ.
إنَّها مُبَارَزَةٌ ثُلاثيّة!
وَكرَّ عَلِيٌّ عَلَى الوَلِيدِ فأردَاهُ صَريعاً!
وانقَضَّ حَمزَةُ على شَيبَةَ بنِ رَبيعَةَ فأرداه صَريعاً!
أمَّا أبوعُبَيدَةَ وَعُتبَةُ، فَقَد أَصَابَ كلٌ مِنهُما صَاحِبَه بِضَربَةِ سَيف.
وَيَنْقضُّ عَلِيٌ وَحَمزَةُ لِنَجدَةِ عُبَيدةُ، ويكونُ حَمزَةُ بَينَ عَلِيٍّ وَعُتبَةَ، وَعَلِيٌ شَاهِرٌ سَيفَهُ، يَخَافُ أن يُصِيبَ عَمَّهُ حَمزةَ بِهِ، فيقولُ لَه:
طأْطِئ رَأسَكَ يا عَمُّ!
ويُطَأْطِىءُ حَمزَةُ رأسَه قليلاً، مُفسِحاً المَجالَ لابنِ أخيه..
ويُعاجِلُ عليٌ عُتبَةَ بِضَربَةٍ قَاضِيَة!
ثُمَّ يَتَعاوَنُ عَليٌّ وَحَمزَةُ فَيَحتَمِلاَنِ صَاحِبَهُما عُبَيدةَ إِلى أصحابِهِ، وَقَد قُطِعَتْ ساقُه، وَتَنجلي بِدايَةُ المَعركَةِ ـ المبارَزَة الثلاثيَّة هذِه، عن:
عُتبَةَ، وَشَيبَةَ، والوليدِ صَرعى!.
فيُجَنُّ جُنونُ قريش..
وَيَزحَفُ الفَريقَانِ، في صبيحَةِ الجَمُعَةِ لِسَبْعَ عَشَرَةَ مِن شَهرِ رَمَضانَ..
ويَخرُجُ النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مُحَرِّضاً أصحَابَهُ، قائلاً لهم:
« والَّذي نَفْسُ مَحَمَّدٍ بيدهِ، لاَ يُقَاتِلُهُمُ اليَومَ رَجُلٌ فَيُقتَلُ صابِراً، مُحتَسِباً، مُقبِلاً غَيرَ مُدبِرٍ، إلاَّ أدخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ ».
ويَنظُرُ إلَي خَيلِ قُريشٍ وخُيَلائها، مُقْبِلين، يَلمَعُ حَديدُ دُروعِهِم وسُيوفِهِم ورِماحِهم، كالشُّهُبِ!..
ويَنْظُرُ إلى أصحابهِ القَليلي العَدَدِ، إذ لَم يَتَجاوَزوا الثلاثَمِئَة وأربَعَةَ عَشَرَ رَجُلاً؛ والقليلي العُدَّةِ، فَليسَ لَدَيهِم من الخيلِ إلاَّ فَرَسان اثنَانِ، يواجِهونَ جَبَروتَ قُرَيش بإيمانٍ راسخٍ وعقيدةٍ ثابتةٍ وَعَزمٍ وَطيدٍ، وَيَرفَعُ صلّى الله عليه وآله وسلّم وَجهَهُ الكريمَ إلى السَّماءِ قَائِلاً:
اللَّهُمَّ إنْ تُهلِكْ هَذِهِ العِصَابَة اليومَ، لاتُعبَدْ!..
وَقَبلَ أَن يَلْتَحِمَ الجَيشَان، يُصَمِّمُ حَمزَةُ عَلَى تَنفيذِ خُطَّةٍ توقِعُ الارتِبَاكَ في صُفوفِ الأعداءِ وثُتيرُ الرُّعبَ في قلوبِهِم.
تبدأُ المَعْرِكَةُ..
وَيَنقَضُّ حَمزَةُ في طليعَةِ جَيشِ المسلِمينَ مُختَرِقاً صُفوفَ الأعداءِ، حَامِلاً على حامِلِ اللّواءِ بَينَهم، وَيُسَدّدُ إليهِ ضَربَةً صَاعِقَةً، فَيهوي، وَيَهوي مَعَهُ اللِوَاءُ، وَيَميلُ حَمزَةُ عَلَى المُشرِكينَ، يَصُولُ بَينَهُم وَيَجُول، يَضرِبهُم بِسَيفِهِ ذاتَ اليَمين وَذَاتَ الشّمالِ، وَيَطعَنُ فيهِم بِرُمحِهِ حتّى ارْتَوى من دِمائهم، فَفَرُّوا من بينِ يَدَيه فِرارَ المِعْزى وَقَد شَدَّ عَلَيها الأسَدُ الضّاري، وما تَركَهُم إلاَّ بينَ قَتيلٍ أو مُستَسلِم أو مهزوم!..
وتَمتلئُ قلوبُ المشركينَ رُعباً من هذا البَطلِ الهُمام الذي يقاتل بسَيفَين!..
هذا من جِهة..
أَمّا من جهَةٍ ثانيةٍ.. فكانَ هُنَالِكَ سَيفٌ آخَرُ يَحصُدُ المُشرِكينَ حَصداً، وَيَفتكُ بِهم فَتكاً ذَريعاً، لا يَقِفُ أَمَامَهُ شيءٌ، إنَّه ذوالفَقارِ بكفِّ عَلِيٍّ، يَقتل صَناديدَ قُريشٍ وَيَصرَعُ أَبطالَها، تارِكاً في كلّ بيتٍ من بيوتِ قُرَيشٍ مَنَاحَةً ومأتَماً وعوَيلاً..
و يَلتَقي حَمزَةُ بأبي قَيس بنِ الفاكِهِ في المعركَةِ، وَكَان ممَّن يُؤذي رَسول الله، فيشُدُّ عَليهِ، وَيقتُلُه..
ويَلتقي عُتَيْباً، فيتصاوَلاَن! ويُشاهِدُهَما عليٌّ فيشتَرِكَ معَ عمِه حَمْزَةَ في قَتْلِ عُتَيْبٍ!
وينهزِم المشركون، مُخلِّفينَ وَرَاءَ هُم سبعينَ قتيلاً، ومِثْلَهم مِن الأسرى، أمّا شُهَداءُ المسلمينَ فكانوا أربَعةَ عَشَر.
وَيَفرَحُ المسلِمون بِمَا آتَاهُم اللهُ مِنْ نصرٍ في «موقِعَةِ بدرٍ الكبرى» والَّتي وَصَفَها الله تَبَاركَ وَتَعَالى بأنّها كانت ( يَوْمَ الفُرقَانِ، يَوْمَ الْتَقَي الجَمْعَانِ ). وَعادَ المسلمونَ إلى المدينَةِ مُنتَصِرين غَانِمين، يَسُوقُونَ أَمامَهُم الغنائِمَ والأسرى وَيَلْتَفِتُ أُمَيّةُ بنُ خَلَفٍ، كانَ مِنْ جُملةِ الأسرَى، إلَى بَعضِ رِجَالِ المسلمينَ قائلاً:
ـ مَن ذاكَ الرَّجُل المُعْلَمُ بريشِ نَعَامةٍ ؟
فَيُجيبُهُ: ألاَ تَعْرِفُه ُ؟ إِنَّهُ حَمزَةُ بن عَبدِالمُطَّلِب.
قالَ أُمَيَّةُ: ذَاكَ فَعَلَ بِنا الأفاعِيلَ!

* * *

وبعدَ مَوقِعهِ بدرٍ، كانَت غَزوَةُ « بني القَيْنُقاعِ »، وَهم جماعَةٌ من اليهودِ كانوا حُلَفاءَ الخَزرَجِ، فَتَمَرَّدوا على الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم وتَحصَّنوا في حُصُونهم، فغزاهُم. وكانَ لواءُ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وآله بيد حَمزَةَ.
فَحاصَرَهُم خَمْسَ عَشَرَةَ ليلةَ، حتّى استَسلَموا صاغِرين..
هَا هُو ذَا حَمزَةُ يَهُزُّ بِيُمنَاهُ لِوَاءَ رسولِ الله، يُطَارِدُ فُلولَ الكُفرِ والظَّلاَمِ أينَما حَلَّت وَكَانَت، ويُحاصِرُ هؤلاءِ المُنافِقين من اليهودِ الَّذين لاَعَهدَ لَهُم، وَلاَ ذِمَّة، وَلاَ مِيثاقَ، حتَّى الاستِسْلامِ.. وهُم أذِلَّةٌ صاغِرون!
وَتَأتي مَعرَكةُ أُحُد وكان ذلكَ في السَّنَةِ الثَالِثَةِ لِلهجرةِ. وَتَجمَعُ قُرَيشٌ أَنصارَهَا وحُلَفَاءهَا من قبائِلِ ثَقِيفٍ وكِنانةَ، ومِن تُهامَةَ، تَستَنْفِرُهُم لِقِتَالِ المُسلمينَ.
وكان أبوسفيانَ يقودُ الناسَ، يَطلبونَ الثارَ لقتلى بدر!
ودعا جُبَيرُ بُن مطعم غُلامَهُ وَحشيَّ بنَ حرب، وكان حَبَشيّاً يَقذِفُ بالحَربةِ قلّما يُخطئ، فقالَ له:
ـ أُخرُجْ معَ الناس، فإن قَتلتَ عمَّ محمّد بعمّي طعيمةَ بنِ عَدي، فأنتَ عَتيق ( أي حُرّ )!
وخَرَجت قريشٌ بجموعها وأنصارِها، والنساءُ يَضربنَ الدُّفوفَ يُحرِّضنَ المشركينَ على القتال.
فلمّا سمعَ بذلكَ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم استَطلعَ رأيَ أصحابهِ فاشارَ بعضُهم بالخروجِ لمُلاقاتهم، وراى بعضُهُم البقاءَ في المدينةِ يدافعونَ عنها، وسلّم آخرونَ اليهِ الأمرَ قائلين:
ـ الرأيُ رأيكُ، فاصنَعْ ما شِئت..
فَلِبسَ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سلاحَه، وخَرجَ بعدَ صلاةِ الجمعةِ للقتالِ، وتَقدّمَ في ألفِ رجلٍ من المدينة، انسَحبَ منهم ثلاثُمئةٍ على رأسِهم كبيرُ المنافقين: ابنُ أُبَيّ.
واستعدّ الرسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم للمعركة وقد تَركَ « جبل أُحُد » خلفَ ظهرِه، واضِعاً على ثغرِ الوادي خمسين رجلاً بقيادة « عبدالله بن جبير » وأوصاهُ قائلاً:
ـ « انضَحْ عنّا الخَيلَ بالنَّبل.. واثبُتْ مكانَك، إن كانت لنا أو علَينا » وأعطى اللّواء « مُصعبَ بنَ عُمَير »، وأمّرَ « الزبيرَ » على الخيل، ومعه « المِقداد ».
وخرجَ حمزةُ بالجيش بين يديه.
وأقبلَ « خالدٌ » و « عِكرِمَةُ » فتَصدّى لهما الزبيرُ والمِقداد، فانهزَم المشركون.
وحَملَ النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على أبي سفيانَ وأصحابِه، فانهزَمَ أبوسفيان.
وبرَزَ الإمامُ عليُّ عليه السّلام لطلحةَ بنِ عُثمان، فضَربَهُ ضربةً أطاحَت بساقِه فسَقط، وانكشَف.
و أمعنَ حمزةُ وعليّ والمقدادُ وأبودُجانةَ ضَرْباً بالمشركين وطَعناً.. حتى زَلزَلوهُم فانهزَموا، ووَلوَلت الظَّعائن ( أي: النِّسوة على الهوَادِج تَحمِلُها الإبل )، فارّاتٍ مُذعورات، وأقبلَ المسلمونَ على الأسلابِ والغنائم، وترَك بعضُهم مَوقِعَهُ حيث وضَعَهُم رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وكانَ لواءُ المشركينَ لا يزالُ مطروحاً على الأرضِ بعد أن قَتلَ الإمامُ عليٌّ عليه السّلام حَمَلَة هذا اللواء، الواحدَ تِلوَ الآخر.
وهذا ثابتٌ تاريخيّاً، وبالأسماء..
يُحدّثنا التاريخ بقوله:
فلمّا قتَلَهم أبصَرَ النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم جماعةً من المشركين، فقال لعليّ:
ـ احمِلْ علَيهم. ففرَّقَهم، وقَتلَ فيهم.
ثم أبصَرَ جماعةً اخرى، فقال له: احمِلْ عليهم
فحمَلَ عليهم، وفَرّقَهُم، وقَتلَ فيهم.
فقال جبرائيل: « يا رسولَ الله هذه المُؤاساة! ».
فقالَ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّه منّي، وأنا منه.
فقال جبرائيلُ: وأنا مِنكُما
« وسمعُ الناسُ صوتا من السماء يِهتفُ: لا سيفَ إلا ذوالفَقار، ولافتى إلا علي! ».
وحَذارَ أن يَظُنَّ أحدٌ أنّ هذا الكلامَ اختلاق خيال، إنّهُ حَرفيّة تاريخية عن ( ابنِ الأثير ) في تاريخه وعن غيرِه من المؤرِّخين والمُحدِّثين،وهم كثيرون.
ويُجرَجُ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في هذه المعركة.. ويَسيل دمُه الشريفُ على وجههِ الكريم، وتَحوطُه فئةٌ ثابتة من المهاجرين والأنصار، وقد فَرّ المسلمونَ أمامَ المشركينَ الذين التفّوا عليِهم من خَلفِهم بقيادةِ خالد بن الوليد.
ويُقاتِلُ مُصعبُ بن عُمَير، ومَعه لواءُ رسولِ الله، فيُقَتل..
ويَستلمُ الإمامُ عليّ عليه السّلام اللواء..
ويُقاتلُ حمزةُ قتالَ الصَّناديد، ويَمرُّ به سباعُ بنُ عبدِ العُزّى، فيَضربُه حمزةُ بالسيفِ ضربةً يَخِرُّ لها صريعاً!.
وكان وحشيُّ بنُ حرب الحَبَشيّ يُراقِبُ مِن طرفِ عينيهِ حمزةَ في قلبِ المعركة. فيَعجَبُ من هذا البطل الذي يُقاتل بسيفين، وليس له مِن نظير!..
ويمَتلئ قلبُه بالرُّعب منه، وهو يُشاهدُ الصفوفَ تنَهارُ تَحتَهُ صفّاً، صّفاً!
قال:
«فهَزَزتُ حَربَتي ودَفَعتُها عليه فَوقَعتْ في أسفلِ بَطنهِ حتّى خَرَجت مِن بينِ رِجلَيه، وأقبلَ نحوي، فغُلب، فوقع!
لقد سقط الفارس، أسدُ الله وأسدُ رسوله.. بعد أن زَلزلَ الأرضَ باعداءِ الإسلام، وأذاقَ الكافرينَ طعمَ المَنون ( أي: الموت ).
وتجول « هندٌ » زوجةُ أبي سفيان، وأمُّ معاوية، مع بعضِ صُوَيحباتها على قتلى المسلمين، تُمثِّلُ بالجُثثُ وتشوِّه، فاتّخذت مِن آذانِ بعضِ قتلى المسلمين وأُنوفهم خَلاخلَ وقَلائد! ووصَلت أمام جسدِ حمزَة في الوادي، فبَقرَت بطنَه، ولاكت ( أي: مَضَغت ) كبده. فلم تَستَسغ طعمَها، فلَفَظتها فلُقِّبت بـ « آكلةِ الأكباد ».
ولما سمعَ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بِمَصرَعِ حمزهَ شَهِق.
ولمّا رأى جُثمانَه وقد مُثِّل به، حَزِنَ حُزناً شديداً.
وصبَر، ونهى عن المُثلة، وأمرَ بدفنِه حيث استُشهد، فدُفن مع ابنِ أُختهِ عبدِالله في قبرٍ واحد، بعد أن صلّى عليه الرسولُ مكبّرًا عليه في صلاته سبعينَ تكبيرة.

* * *

وفي المدينة.. يمَرُّ النبيُّ بدارٍ من دورِ الأنصار، فيَسمَعُ بكاءً ونُواحا، فذَرَفتْ عيناهُ الكريمتان، وبكى، وقال:
ـ لكنّ حمزةَ لابَواكيَ له!..
فرجَعَ سعدُ بن مَعاذ، وأمرَ النساءَ بالذَّهابِ والبكاءِ على حمزة..
فَفَعلنَ، وقد سَبَقتهنّ في البكاءِ وفاقَتْهنّ في اللَّوعةِ على حمزةَ سيدِ شهداءِ زمانه: فاطمةُ الزهراء عليها السلام.