عمّار بن ياسر

القافلة تحمل من البضائع صنوفاً وألوانا كثيرة،..
ويرتفع صوت الحادي فتجدّ الإبل بأحمالها الثقيلة متوجهة بها من اليمن إلى مكّة، والصحراء أمامها واسعة واسعة، والدّرب لا تكاد تبين، وقد عبثت بها رياح الجنوب والشمال، ولولا الدليل، علم الله، لتاه الركب، وضلت القافلة طريقها في دروب الهلاك، والتماع السراب!..
ويلتفت « ياسر بن عامرٍ » إلى أخويه ـ وقد التحقوا بالقافلة، واصطحبوا تجّارها إلى مكّة ـ قائلا لهما: أتَرَيان أننا سنجد أخانا المفقود ؟
فلا يسمع منهما جواباً، ويخيّم صمت ثقيل.. وتشرد أفكار الإخوة الثّلاثة وراء أخيهم، الذي انطمست معالم أخباره. فإن وجدوه بمكّة حيث يقصدون، فقد فازوا، والله، وإلا.. وتملأُ الوساوس والهواجس عقولهم ومخيلاتهم، وعبثاً يحاولون طردها، فلا يستطيعون!
وتصل القافلة مكة. فلك الحمد اللهم.. ويقدّمون لآلهة الكعبة القرابين وقد منّ الله على الجميع بسلامة الوصول. ولا ينسون « هُبَلَ » فله من هذه الأضاحي كل سمينٍ!.
ولايضيّع الإخوة الثلاثة من وقتهم، إلا قدر ما يستريحون به من وعثاء السفر، ومشقة الطريق، ويتجولون في أسواق مكة، سائلين عن أخيهم كلَّ من يصادفون ومن يلقون في طريقهم، ولايتركون حياً من أحياء البلد الحرام إلا ونقّبوا عن أخيهم فيه تنقيباً، والجواب واحد:
ـ لا علم لنا به والله!. ويخيب بذلك الأمل، وينقطعُ الرجاء.
ويُقْبل الأخوان على ياسر أخيهما قائلَين، وهما يَصْفقان كفاً بكفٍ:
ـ هلُمّ أخانا نعودُ، فلا أمل هنا أن نجد مَن فَقَدْنا.
وتجحظ عيناهما، وهما يستمعان الردّ:
ـ إن أردتما العودة، فشأنكما، أما بالنسبة لي، فقد وطّدت العزم على البقاء في مكة، ومجاورة بيت الله الحرام، حتى يقضي الله أمره.
ويحاول الأخوان ثني أخيهما عن عزيمته، فلا يفلحان،..
ويغادران مكة، ويودّعان ياسراً، وفي الحلق غصة، وفي العين دمعة!
ويُقبل ياسر على حياته الجديدة، في مكة أمّ القرى، ويهوله هذا الثراءُ الواسع، وسلطان هؤلاء التجّار العظام، وهذا العدد الهائل من العبيد، يكدحون ويشقَون في خدمة أسيادهم، ولولا نطقهم لظننتهم من العجماوات!.
وتجرّه قدماه إلى « أبي حُذَيفة » فيجيره، ويصبح ياسر وكأنّه أحد أفراد بني مخزوم! ويعمل ياسر في خدمة « أبي حذيفة » مخلصاً، حتى التفاني، فيكافئه على ذلك بتزويجه من جاريته « سُميّة » التي ستنجب له « عماراً » بطل قصتنا هذه. وما أدراك مَن عمّار!
وفي دار« أبي حذيفة » يشبّ الفتى، يافعاً، صلب العود، صعب المراس، ويتطلّع الأبوان ـ ياسر وسمية ـ إلى عمارٍ، إنه، ماشاء الله، ملءُ العين والقلب.. فيعوّذانه بالتّمائم، ويحوطانه بالدعوات الصالحات. ويهمس ياسر في أذن زوجة « سمية »: ألا ترين بأنّ لابنِنا « عمار » شأنا يا سميّة ؟ فتجيب: إنه لكذلك والله!.. وإن قلبي ليحدّثني بذلك. وما كان قلب الأم إلاّ صادقاً!.
وينتشر الاسلام في ربوع مكّة، وما حولها من القرى.
ويطير اسم النبي القرشي محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم على كل شفة ولسانٍ. ويتهامس الناسُ:
ألا ترون إلى صدقه، وإلى أمانته، وإلى حيائِهِ الجمّ ؟!
ألا ترون إلى ما أتى به من عبادة الله الواحد الأحد، ونبذ الأصنام، والإيمان باليوم الآخر، والأمر بكل ما هو جميل وكريم، والنهي عن كل ما هو قبيح وممقوت ؟!
وهذا القرآن الذي يتلوه، ألا ترون إلى إعجازه، وبيّناته ؟!
ويستمع عمار إلى ذلك كلّه، فيبهره هذا الدين الحنيف، ويلتقي بالنبيّ فلا يرى على سيمائه إلا مخايل الصدق، وعلائم الإيمان والتقوى. فيؤمن به، ويعلن اسلامه ويدعو أبويه إلى الإسلام، فيُسلمان!
ويتهافت على الإسلام كلّ أفراد هذه الطّبقة من المعذّبين والمقهورين والمستعبدين، ويرون فيه خلاص أنفسهم من ذلّ العبودية.
ويجنّ جنون قريش، وهي ترى انتشار الإسلام. فتلجأ إلى كل وسيلة لحسر موجة الإسلام، ويأبى اللهُ إلاَّ أن يُتِمَّ نُورَهُ، وَلَوْكَرِهَ الْكَافِرونَ ويكون التعذيب نصيب هؤلاء المسلمين الصابرين.
ويقوم « أبوجهل » عدوّ الإسلام الأول، بتعذيب « ياسر » و « سميّة » و « عمّار »، فيستشهد الأبوان تحت وطأة التعذيب والتنكيل، وهما يرفعان سبّابتيهما قائلَين: « أحد!.. أحد!.. » ـ إشارة إلى الإيمان بوحدانيّة الله تعالى ـ وتفيض روحاهُما الطاهرتان في رمضاء الصحراء، و « عمّار » ينظر إلى ذلك كلّه، متحفّزاً ليوم ينتقم فيه من الطّغاة المتجبّرين، فيشدّ الله من عزيمته، ويمدّه بالصّبر، وينتصر الدم على السيف!. ويُطلَق سراح عمار بعد أن استعمل التقيّة لينجو من قبضة الجلاّدين!..
وتضيق مكة على المسلمين بما رحبت، فيأمرهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالهجرة. ويهاجر عمّار مع من هاجر إلى المدينة، حيث الأخوة بالدين والدنيا، والمؤاخاة بين المسلمين كافة، ويؤاخي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بينه و بين « حُذَيفة بن اليمان » ويقرّبه الرسول بين يديه، وفي مجلسه، وقد وجد فيه صفاء الباطن والظاهر ويلقّبه بـ «الطيب المطيب» و يا لَهذا اللّقب الكريم الجميل يطلقه عليه الرسول. وعند ما يشاع بأن عماراً مات أو قُتل.. ينتفض الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وكأنه يقول: لا، ولكن « ستقتله الفئة الباغة ». وينظر المسلمون بعضهم إلى بعضٍ.. فمن هي يا تُرى هذه الفئة التي تستبيح دماءَ الصحابي الجليل أبي اليقظان، عمار بن ياسر ؟!
وهكذا أصبح عمار بن ياسر رضوان الله عليه ميزاناً من موازين الحق، ومعياراً من معاييره. ولم يتخلف الصحابي الجليل عمار عن المشاهد ( أي: المعارك ) أبداً، وإن دماءه لتفور نُصرةً لله، ودينه، فما أن شبّت « معركة بدر » حتى خاض غمارها، وأبلى بلاءً حسناً، وجال بين المقاتلين وصال، وهو يتمتم:
ـ أين أنت يا أباجهل ؟!
ويلتقي بطاغوت قريش، وقد خرّ صريعاً، فيبرك على صدره لحتز رأسه، وإنه بذلك ليتحز رأس الشرك والطغيان والطاغوت الأكبر، وإنه بذلك لينتقم لله ولرسوله وللمؤمنين، ولأبويه أيضاً!
وتثور موقعة « أُحد »، فيروي عمّار سيفه من دماء المشركين. وعندما ينكشف المسلمون من حول النبي، ويفرّون، يثبت عمار مع القلّة التي باعت نفسها لله، يذود عن النبي، ويفتديه بنفسه..
ويلتحق النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى جوار ربه الكريم. وكان عمار بافتقاده حبيبَه محمداً صلّى الله عليه وآله وسلّم من المفجوعين.. فبكاهُ بكاءَ الثّكالى. امتلأ قلبه حزنا وأسى، فبعَدَ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم على الدنيا العفاء!
و في لحظةِ حساب وتأمل، يستعرض الصحابي الجليل حياته:
بدءاً من سنيّه المبكرة عند أهله، فرحيله إلى مكة مع شقيقَيه، فاتصاله بدار « أبي حذيفة المخزومي » إلى إعلان إسلامه، وما لاقى من اضطهاد في سبيل ذلك، وتنكيل، إلى شهوده « بيعةَ الرّضوان » مع التسعة من إخوانه المسلمين، تحت الشجرة، ويفترّ ثغره عن ابتسامة رقيقة وهو يتلو الآية الكريمة: لقَدْ رَضِيَ الله عنِ المُؤمنين إذ يُبايعونَك تحت الشجرة ، وتطير به أفكاره إلى الهجرة، فكان في طليعة المهاجرين، الهاربين بدينهم إلى « المدينة المنوّرة » حيث وجدوا هنالك الأهل والإخوان والديار.
ويستعيد بذاكرته موقعة « بدر الكبرى » حيث شفى الله قلبَه من القوم الكافرين وأمكنه من طاغوتهم الجبار.. « فموقعة أحد »، وقد ثبّت الله جَنانه في وقت انخلعت فيه القلوب، فذبّ ( أي: دافع ) عن رسول الله بسيفه حتّى التوى قائمُهُ في يده.. وافتداهُ بنفسه، مع إخوة له بررة، مؤمنين، ثابتين.
ويذكر قرب مجلسه إلى الرسول الكريم، وحتى أصبح من خاصة أصحابه الأصفياء، فحفظ عنه عشرات الأحاديث النبوية الكريمة. معتزّاً بقول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، فيه: « ما خُيِّر عمارٌ بين أمرين إلا اختار أرشدهما ». وإنها لشهادة تنطق له بالرّشاد، فهو من الراشدين حقاً!..
ويذكر دوره في بناء مسجد قُباء في المدينة، وهو المسجد الذي أُسِّسَ علَى التّقوى ، كما يقول الله تعالى فيه، فهو إذن أول من بنى مسجداً في الإسلام، فللّه الحمد، ومنه الهدى، وإليه عاقبة الأمور.
وتغمر نفسَه السعادةُ وهو يذكر « عام الفتح »، وقد عاد مع عشرة آلاف مسلم يَقْدمهم النبيّ من المدينة، إلى مكة، مهلِّلين، مكبِّرين، وقد ارتجّت بطاح مكة بأصداء: ( الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله ) يطلقها أخوه في الإسلام « بلالٌ » من على سطح الكعبة فتخشع لذلك القلوب والأبدان، ويتسارع أهلُ مكة للدخول في الإسلام.
وتنهمر عبراته على وَجْنتَيه، فمن بعدك يا رسول الله ؟
وتنطلق الفتنةُ من عقالها، ويدّعي الخلافةَ مَن لم يُوصَ بها، فينتفض عمّار متسائلاً أمام القوم: أين هو صاحبُها أبوالحسن، وقد أخذ الرسول عليهم الميثاق.. وبلّغ، فلا عذر! ويسكنُ بسكون الإمام علي عليه السّلام، ويسير خلفه، مقتدياً به، غير ملتفتٍ إلى من عداه. ويطمئن إلى سيده علي عليه السّلام الاطمئنانَ كلّه، فتنطوي على حبه وولايته جوانحُه. وكما كان أبواليقظان عمار بن ياسر من مقرَّبي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم صار من أصفياء الإمام، وخالص حواريّيه، فبالإمامة تتمُ النبوة وتكتمل.
وعندما ولاّه عمر الكوفة، قبل ذلك، لعلّه ينصر حقاً، ويدفع باطلاً، ويقيم حدود الله، ولكنه لم يستقر في هذا المنصب، فليس عمار ممن تستهيوهم المناصب، وتستعبدهم الرتب والألقاب!
إنه تلميذ الإمام عليّ عليه السّلام الذي كان همّه، كل همه، إقامة الحق، ودفع الباطل، تقرّباً إلى الله تبارك و تعالى، وابتغاء مرضاته. ويبقى في كنف إمامه، الذي هو مَثَلُه الأعلى، يصبر معه، ويكظم غيظه، ولسان حاله يقول: إلى الله المشتكى!..
وتدور الأيام، وتقبل الدنيا على الإمام علي عليه السّلام، وهو الذي ما انفكّ مديراً لها ظهره، وتنقاد إليه الخلافة، فيقبل النهوض بها، كل ذلك في سبيل الله، وقربة إليه تعالى.
وكان أول ما قام به أميرالمؤمنين عليه السّلام إقالة معاوية بن أبي سفيان، و عزله عن الحكم.. فلا تهادنَ في دين الله، على حساب أموال المسلمين وأعراضهم وكراماتهم، ولامساومة مع الظالمين.
و تتألّب على الإمام عليه السّلام قُوى الظلام، فيعلو نداءُ: « يا لثارات عثمان »!! وتكون « موقعة الجمل »، وكان من طبيعة الأمر أن يقوم « عمار » رضوان الله عليه بدوره كاملاً في هذه الموقعة الطاحنة، فما أغمد سيفه حتى ارتدّ الظالمون على أعقابهم لم ينالوا شيئاً، وارتفعت رايةُ الإمام عليّ تخفق بالانتصار المبين.
وما أن ينتهي الإمام علي عليه السّلام من قتال هؤلاء « الناكثين » حتّى يبدأ بتجميع جيشه لملاقاة معاوية الذي أعلن الحرب عليه.. ويلتقي الجمعان في « صفّين » حيث تدور معركةٌ طاحنةٌ رهيبةٌ، بين الحق والباطل، يشيب لهولها الأطفال! ويخوض عمّار رضوان الله عليه غمار هذه الحرب، يحمل على الأعداء ممعناً فيهم ضرباً بالسيف، وطعناً بالرّمح، حتى زحزحهم عن مواقعهم وهو يرتجز:

اليوم ألقى الأحبّه
محمّداً وصَحبَه

وكالنّداء من السماء.. يهتف به هاتفٌ:
« يا عمار، تقتلك الفئة الباغية » إنه قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم منذ عشرات السنين، ويغوص أبواليقظان عمارُ بين جموع هؤلاء الباغين، المعتدين على إمام زمانهم الذي افتُرضت طاعته.
ويعجب الفرسان لهذا الشيخ الطاعن في السنّ، الجليل قدراً، المهيب طلعة، إنه قد تجاوز التسعين من عمره، ومع ذلك، فهو يحمل على الأعداء بعزم أبطال الشباب، وشجعان الفرسان، ويتساءلون: ـ من هو؟! فيجيب بعضهم: « إنه عمار بن ياسر بن عامر الكناني المذحجي القحطاني، صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأحد حواريّي الإمام عليّ عليه السّلام » فيفرّون من بين يديه شتاتاً!..
فعمار رضوان الله عليه، صار أحد موازين الحق ومعاييره.
وسيفُهُ على الظالمين أبداً!
وما هي إلا جولةٌ، حتى يخرّ صاحب رسول الله صريعاً، بعد أن أبلى في سبيل الله ورسوله وإمامه، بلاءً ليس عليه من مزيد
ويرتفع الصوت من جديد هاتفاً:
ـ « ياعمارُ، تقتلك الفئة الباغية »
ويعقبه صوت آخر يهتف:
ـ « لا لعنة الله على الظالمين!.. »