سلمان الفارسيّ

اذا فكّر احدنا بتسجيل شريط سينمائي، فيه الكثير من مادّة الجغرافيا و التّاريخ، والعديد
من العادات و التّقاليد، يزخر بعناصر التشويق والإثارة، ويمتلئُ بموقف البطولة والحماس و الرعب، حتى ليكاد يحبس الانفاس
وفيه العناد فى طلب الحقّ و الحقيقة أينما كانا، ومن تلاقي الأمم وتصادم الشّعوب فى زاوية حادّة من زوايا التّاريخ، وفي حيّز من الزمن ضيّق، اتّصلَتْ خلاله الأرض بالسّماء .. فلن يجد لذالك بطلاً أفضل من سلمان الفارسى، يدور حوله هذا التّسجيل السينمائيّ الغريب الرّهيب!
ـ فمن هو سلمان هذا الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه و آله وسلّم ذات يوم: ـ « سلمانُ منّا أهلَ البيت! »؟
إنّه « مابه بن بوذخشان » من « رامهرمز » احدى مدن بلاد فارس، وقيل: إن اسمه غير ذلك، كما انّه نشأ في قرية أخرى اسمها « جيّان ». وهذا، كما نرى، لايؤثّر من قريب أو بعيد بالنّسبة لبطل قصّتنا هذه والّذي كانت حياته سلسلةً متلاحقة من المفاجآت و التطوّرات المذهلة.
قيل: كان ابوه « دُهقانَ » قريتِه ـ والدُّهقان: رتبة مرموقة بمستوى « المختار » في أيامنا هذه ـ وتعهّد الدّهقان ابنه كي يصبح ذات يوم دهقانَ القرية، بعد وفاته. فسجنه في المنزل، مُوكِلاً اليه أمرَ ايقاد النّار باستمرار، فالنّار فى عرفهم، رمز للنور، هذا الإله العظيم، وليس من الجائز مطلقاً أن تنطفئ ؛ لذا، كان الفُرْس يوكلون بالنّار أناساً مهمّتهم تأجيجها وإشعالها، فلا يخبو لهيبها ليل نهار!
ولأمر طارئ يسمح الأب لابنه بالخروج من المنزل نيابةً عنه في بعض المهمّات، فينطلق الفتى وكأنّه العصفور أفلت من قفص، ويملأ الفتى صدره خلال هذه الرحلة من نسائم الطّبيعة المنعشة، ويمتّع حواسّه بجمالها الخلاّب
ويمر الفتى على كنيسة من كنائس النّصارى، فيعجبه منها هندسة البناء، وجمال الشكل، ويدفعه فضوله الى دخولها، والاتّصال ببعض الرّهبان فيها، ولأوّل مرّة يسمع الفتى شيئاً عن الدّيانة المسيحيّة، فيقضي نهاره كاملاً بين هولاء الرّهبان المنقطعين للعبادة. واخيراً .. يعود الى أبيه الّذي استبطا عودته، ويسأله عن سبب تاخّره فيبوح الفتى لأبيه بكل ما شاهد وما سمع. وينظر الاب الى ولده جيّداً؛ لقد علق قلب الفتى الصّغير بهذا الدّين الغريب، فماذا عساه يكون موقفه امام زملائه الدّهاقنة، وامام اهل قريته اجمعين؟!
ويجد الاب حلاً لهذا الامر الطّارىء، فيأتي بالحديد يقيّد به قدَمي ولده، فمغادرة المنزل عليه حرام!
ويتّصل الفتى، بواسطة الرّهبان الّذين سبق له وتعرّف عليهم، باحدى القوافل العائدة الى بلاد الشّام، فيعمد الى قيوده فيفكّها عن قدميه، ويسرع الى التجّار طالباً اليهم أن يقبلوه معهم في رحلتهم، فيقبلون!
ويصل الفتى بلاد الشّام، ويتجوّل من قرية الى قرية، ومن حىّ الى حىّ .. ويشاهد
كنيسة ضخمة البنيان، عالية شاهقة، فيسأل عن المسؤول الاوّل فيها، فقيل له: انّه الأسقف.
ويتّصل الفتى بالاسقف، ويقصّ عليه قصّته، ويعيش و ايّاه في الكنيسة متعّلماً أصول الدّين، متفقّهاً في اسرار الإنجيل.
ويموت الأسقف بعد مدّة، فيتّصل الفتى باسقف آخر في « الموصل »، ويبقىعنده مدّة يتّصل بعدها بأحد أساقفة « نصيبين »، ثمّ يتّصل بعده بأحد الرّجال المؤمنين فى « عمّوريّة ».
وهكذا ظلّ « ما به بن بوذخشان »، يتنقّل من بلد الى بلد، ومن إلى أسقف، ومن حَبْر ( رجل الدين العلاّمة ) الى حبر، يطلب الحق و الحقيقة، ويسأل عنهما بإلحاحِ المضطرّ.
ويحدّث الفتى صاحبه « مؤمنَ عمّوريةّ » بما يجيش في صدره، فيطرح عليه الكثير من الأسئلة المتعلّقة بالحياة وبالموت، وبما بعد الموت، وبالقضاء والقدر، وبالأديان، وبالرّسل... وما أكثرها من اسئلة!
ويطلب من سيّده ان ينصحه، فيجيبه صاحبه المؤمن:
ـ « اصغِ جيّداً يا « مابه » لما اقول لك.
فَمِن حق المؤمن على اخيه المؤمن و الصّاحب على صاحبه، ان يصدقه القول، ويخلص له النّصيحة!
والله يا بُنيّ، لقد أظلّك زمانُ نبيٍّ مبعوث بدين ابراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجراً الي أرض بين حرّتين بينهما نخيل، به علامات لا تَخفى:
يأكل الهديّة، ولا ياكل الصّدقة، بين كتفَيهِ خاتَم النبوّة! ..
وإنّي لأراك مُدركَه! ».
ويموت الرّجل، بعد ان انطبعت كلماته على صفحة قلب فتاه.
وينصرف الفتى، يشتغل ببعض الاعمال، فيكسب مالاً حلالاً طيّباً، ويبقى ما شاء الله له ان يبقى.
حتّى يكون يومُ يَعلم فيه بأن قافلة ستتوجّه الى بلاد العرب، فيتّصل باصحابها، عارضاً عليهم ما معه من مال على أن يحملوه معهم الى « يثرب »، فرحّبوا به .. وسارت القافلة، متّجهةً الى بلاد العرب، على بركة الله، يحدوها الدّليل، ويحفّ بها الحراّس ...
وفي الطّريق، يعرف « مابه » أنّ صحبه من « بنى كلب » يتعاطَون التجارة، فيَجنون منها و افر الأرباح!.
وعندما وصلت القافلة الى « وادي القرى »، ساق التّجار الفتى امامهم، وباعوه عبداً رقيقاً لبعض اليهود، فيا للّئام! خبثاء النّفوس!
ويقوم الفتى بخدمة اليهوديّ خير قيام، ويرضى اليهوديّ عنه الرضى كلّه، ويعجب به شديد الإعجاب، فهو مخلص، وهو قويّ، و هو إلى ذالك ذو مروءة وهمّة ونفس عالية، عكس ما سبق و عرف من عبيد، فى طبعهم خسّة ودناءة ولؤم. انّه، و الحق يقال، من طينة غير طينتهم.
ويأتي يوم يستقبل فيه ذلك اليهودىُّ، ابنَ عمٍّ له من « بنى قُرَيظة »، أتاه زائراً. فيعجب هذا الاخير بالعبد الجديد عند ابن عمّه، فيطلب من ابن عمّه ان يبيعه له، فيقبل، وينتقل الفتى مع اليهوديّ الجديد الى يثرب، و يشعر كأنّه يدنو من الحقيقة شيئاً فشيئا، وينتظر، من السّماء، خبراً جديداً!
وبينما كان الفتى مُعْتلياً نخلة يجنى التّمر، أذْ به يرى من بعيد اليهوديّ السّابق مُقْبلاً نحو ابن عمّه، وقد استلقى تحت النّخلة. فيجلس، ويجلس ابن عمّه الى جانبه، ويستمع اليهما يتحدّثان:
ـ قاتَلَ الله « بنى قَيْلة » يا ابن العمّ !
ـ ولم ذالك؟!
ـ انّهم مجتمعون الآن بقُباء على رجل قدم اليهم من مكّة، يزعم أنّه نبيّ أرسله الله للنّاس.
ـ ومِن أي أحياء العرب هذا النبيُّ المزعوم؟
ـ من قبيلة قريش، في مكّة!
و يشعر الفتى بما يشبه الدُّوار، و بالرّعدة تسرى في بدنه، ويكاد يقع عن النّخلة لما سمع، فينزل عنها مسرعاً مستفسراً سيّده عمّا يسمع، فيغضب اليهوديّ ويلطمه لطمة قويّة، يتبعها بلطمة ثانية، صارخاً بوجهه:
ـ ما لك ولهذا؟! عُدْ إلى عملك! ..
ويظلّ « مابه بن بوذخشان » أسيرَ رقّه ( أي: عبوديّته )، يغرس فسائلَ النّخيل ويعتني بها، ويسقى الأرض ويجني محصول التّمر لسيّده، قانعاً بما قسم الله له، راضياً بمشيئته، ومنتظراً يوما يمنّ الله عليه فيه بالحرّية.
وتمرّ على ذالك سنوات، و تمرّ على المسلمين ايّام ضيق وشدّة، ويخوضون معارك حاسمة غيّرت مجرى التّاريخ، أهمُّها « بدر » و « أُحُد ».. والفتى ينتظر، ويطول انتظاره، فمتى يأتى يوم الفرج المنشود، و يوم الحرّية الموعود؟
و في غفوةٍ من عينى اليهوديّ، يتّصل الفتى بالنبيُّّ صلّى الله عليه وآله، ويعرض عليه شيئاً من التّمر، يقدّمه صدقةً للنبيّ، فياخذه منه، ويوزّغ التمر على اصحابه، دون أن يذوق تمرةً واحدة.
فيقول الفتى فى نفسه: هذه واحدة!..
ويأتيه في اليوم الثاني، يحمل إلى النبيُّّ تمراً هديّة، فيقبلها النبيُّّ صلّى الله عليه وآله ويأكل منها قليلاً ويُطعم اصحابه، و يقول الفتى في نفسه: هذه ثانية!
ولكنّ الفتى يريد ما هو أبعد من ذالك، أنّه يبغي التثبّت من امر هذا النبيُّّ الّذي بشّرت به السّماء على ألْسنة الرّسل الذين سبقوه.. فكيف له من مشاهدة ختم النّبوّة الموسوم به ظهره الشّريف؟!
لنستمع، حول هذه النقطة، إليه وهو يقول:
« جئت رسولَ الله صلّى الله عليه وآله وهو ببقيع الغرقد، عليه شملتان، وهو جالس مع اصحابه، فسلّمت عليه ثمّ استدرت أنظر الى ظهره، هل أرى الخاتم الّذي وصفة لي صاحبي ؟ ..
فلمّا رآنى رسول الله صلّى الله عليه وآله استدبرته، عرف أنّني أريد أن أستثبتَ من شيء وُصِف لي.
فألقى صلّى الله عليه وآله رداءه عن ظهره، فنظرتُ إلى الخاتم، فعرفته، فانكببتُ عليه أُقبّله وأبكي.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: تحوّل! ..
فتحولت وقصصت عليه حديثي.
وهكذا أسلم « مابه » وسمّاه النبيُّّ صلّى الله عليه وآله منذ ذاك ( سلمان )، فاشتهر بهذا الاسم.
وتمرّ ايّام بعد ذالك طِوال.. فكانّ اليوم، لطوله، حَوْلُ كامل! ..
ويقصد « سلمان » الرّسول، فيقول له صلّى الله عليه وآله:
ـ إذهبْ يا « سلمان » فاشترِ نفسك! .
وعاد « سلمان » الى اليهودىّ، واتّفق معه، لكي يعتقه، على أنْ يغرس له ثلاثمئة نخلة، وأنْ يعطيه أربعين أُوقيّةً ذهباً!
ورجع « سلمان » الى الرّسول يخبره بذالك، فالتفت صلّى الله عليه وآله الى أصحابه قائلاً:
ـ أعينوا أخاكم! ...
فجمع له الصّحابةُ فسائلَ النخل ما يكفي لغرس ثلاثمئة، غرسها الرسول صلّى الله عليه وآله بيده الكريمة، وسقاها بدلوِ ماء، فعاشت جميعها.
وبعد ايّام، يناول النبيُّّ صلّى الله عليه وآله سلمانَ مثل بيضة الدّجاجة من الذّهب قائلاً له:
ـ خذها، فإنّ الله سيؤدّي عنك ! ..
وتعجّب سلمان، فماذا عساها تكفى؟! ولكنّ الله بارك فيها فأوفى سلمان لليهوديّ منها بأربعين أُوقيّةً من الذهب على التّمام! ..
وإنْ تاسّف سلمان لشيءٍ، فلِعدم شهوده موقعتَي « بدر » و « أُحد »، ولكن لا باس، فهذا ما قضاه الله و قدّره! ..
وهاهي الأوضاع العامّة تُنذر بشرّ مستطير بين المسلمين وأعدائهم.
أذ تتوالى الأنباء بتجمّع أحزاب العرب، المتضرّرين من الرسالة الإسلاميّة، وقد جيّشوا ثمانية عشر ألفَ مقاتل من مشركي العرب وأحبار اليهودي ومنافقي الاُعراب؛ لحصر النبيُّّ والمسلمين في المدينة، وتضييق الخناق عليهم، ومنع الماء والطّعام عنهم.
و يعلم النبيُّّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ما يُدبّر له اعداؤه، وينظر اليه المسلمون مُطْرقاً يفكّر! ..
ـ ما الأمرُ يا رسول الله ؟!
ويطرق المسلمون مفكّرين .. فالخطر داهم، والاعداء كثيرون. إنّ جزيرة العرب كلّها قد أجمعت امرها على ضرب المسلمين ضربة لا تقوم لهم قائمة بعدها، فينساب الى نفوسهم فزع ورهبة من مصير ينالهم فيه شديد الأذى! .
ويفكّر سلمان، ويفتش في زوايا نفسه عن مخرج من هذا المأزق الخطير.
وكلمعةِ برق، تُشرق نفسه عن فكرة كان يعمل بها قومه عندما يفاجئهم خطر داهم:
ـ يا رسول الله، كنّا إذا حُوصرنا خَنْدَقْنا! ..
وتجد هذه الفكرة في نفس رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قبولاً، فيرتاح إليها، ويُسَرّ بها اصحابه.
إنّ خندقاً كبيراً حول المدينة كفيل بأن يحول بين الاعداء و بينهم.
ويبادر النبيُّّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، إلى الأرض حول المدينة يقسّمها أقساماً، لكل عشرة رجال أربعون ذراعاً. واختلف المهاجرون والأنصار في سلمان، فكلُّ يدّعي بانّ سلمان منه، وما ذاك إلاّ لأنّ سلمان كان يمتاز ـ بالاضافة الى رجاحة عقله وصاقِ نظرتة، وصائب رأيه ـ بجسم عملاق وهيئة عظيمة ومنكين عريضين. ويحسم النبيُّّ صلّى الله عليه وآله وسلم، هذا النزاع الطريف بقوله لهم جميعاً: ـ « بل سلمانُ منّا أهلَ البيت! »
وياله من تكريم ما بعده تكريم، وتعظيم ليس فوقه من تعظيم، لهذا الرّجل غريب اللسّان، والأهل والمنشأ والدّار، وقد أصبح من أهل بيت رسول الله عليهم الصلاة و السّلام.
ويبدا النبيُّّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بحفر الخندق، فكان أوّل مَن يهوي بالمِعْول على الارض، يحفر، وهو يرتجز:

اللّهمّ إنّ العيـش عيشُ الآخـرة
فاغفرِ اللّهمّ للأنصار و المهاجِرة

ويتبعه على ذلك اصحابه، يحفرون كما يحفر، وينقلون التّراب على ظهورهم و اكتافهم، كما ينقل! ..
وكان سلمان وحُذَيفة وبعض المهاجرين وستّة من الأنصار يحفرون معاً، فبدت لهم صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول الصِّلاب، ولا عزمُ الرجال الاشداء. وأعياهم أمرها، فوقفوا أمامها عاجزين. ويتناول النبيُّّ صلّى الله عليه وآله وسلم المعول من يد سلمان، ويَهوي على الصخرة بضربة تصدعها، فبرقت حين ضربها الرسول صلّى الله عليه وآله بَرْقةُ أضاءت ما حولها كالمصباح، فكبّر الرّسول. ثمّ ضربها ثانية فلمعت برقة ثانية، ثمّ ضربها ضربة ثالثة، فلمعت برقة ثالثة، ويتعجّب سلمان من ذالك عجباً شديداً، ويسأل الرسولَ صلّى الله عليه وآله عن ذلك، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم :
ـ لقد أضاء لي من الأُولى قصورُ الحيرة و مدائن كسرى، وأخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة عليها ( أي: متفوّقة ).
ومن الثانية أضاءت لي قصور الُحْمر مِن أرض الروم، وأخبرني جبريل أنّ أُمّتي ظاهرة عليها.
ومن الثالثة أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبريل أنّ أُمّتي ظاهرة عليها، فأبشِروا ».
واستبشر المسلمون، وضاعفوا من بذل جهدهم، فانتهوا من حفرالخندق في ستّة أيّام، كان رنين المعاول خلالها متّصلاً ليل نهار! ..
وأقبلت الأحزاب يَقْدمها الفرسان وحملة الرّايات، فأجفلت الخيول أمام الخندق، وضرب أئمّة الأحزاب كفّاً بكفّ، وهم يَرَون الخندق يحيط بالمدينة إحاطة السّوار بالمعصم، ويرون بذلك مكيدة حربٍ لا عهد للعرب بها من قبل، ويتساءلون: مَن صاحبُ الفكرة يا ترى؟!
هذا من جهة ..
أمّا مِن الجهة الثانية، فقد ارتاع المسلمون وهم يَرَون آلاف العرب يتدفّقون عليهم من كلّ حدب وصوب، وتمتلئ قلوبهم رعباً وهم يرون فارساً من المشركين كالمارد... يقطع على ظهر حصانه الخندق، وبيده سيف كأنّه شعلة نار، يطلب من المسلمين الِبراز، ولا من مُجيب!
إنّه عَمْرو بن عبد ودّ، بطل الأحزاب، يغطّيه الحديد من قمّة رأسه حتّى أخمص قدمَيه.
وينادي: يا محمد، هل من مبارز من أصحابك؟ أين الجنّة الّتي وعدتَهم بها؟
ولنستمع خاشعين إلى قوله عزّوجلّ، يصف حال المسلمين خلال تلك اللّحظات المحرجة، الملأى بالرّعب:
إذ جاؤُوكم مِن فوقِكم، ومِن أسفلَ مِنكم، وإذْ زاغتِ الأبصارُ وبلغتِ القلوبُ الحناجرُ وتظنّون باللهِ الضُّنونا * هنالك ابتُليَ المؤمنون وزُلزِلوا زلزالاً شديدا
ولكنّ جماعة قليلة منهم، كانوا المؤمنين حقاً، فما ارتابوا، وما وجد الخوف الى قلوبهم سبيلاً فأنزل الله فيهم:
ولّما رأى المؤمنون الأحزابَ قالوا: هذا ما وعَدَنا اللهُ ورسولُه وصَدَق اللهُ ورسولُه وما زادَهم إلاّ إيماناً وتسليما
وينظر النبيُّّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى اصحابه:
ـ مَن يبارزه وأنا اضمن له على الله الجنّة، قاتلاً كان أم مقتولا؟ ..
ويُطْرق المسلمون وكأنّ على رؤوسهم الطير، دون أن ينبسّ أحدُ منهم ببنتِ شفة ( أي : دون كلام ) وينبري غلام فتيّ، إنّه عليّ بن أبي طالب هاتفاً: أنا له يا رسول الله!
فيشير إليه الرّسول أن اجلس، فيجلس.
ويضيق صدر عمرو بن عبد ود بهؤلاء العاجزين أمامه، فيجول على جواده ويصول، مرتجزاً:

ولقـد بُحِحْتُ مِـن النّـدا
ء بجمعِكم: هَل مِن مُبارزْ؟

ويعاود النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم دعوة أصحابه للمبارزة، ثلاث مرّات، وما مِن مجيب غير هذا الفتى الهمام.
واخيراً، يأذن النبيُّ لابن عمّه بمبارزة بطل الأحزاب ...
ويعتلي الإمام صهوة جواده، بعد أن عمّمه الرسول بعمامته وهو يدعو له بالنّصر.
ثمّ يرفع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم طرفه ( أي: نظره ) إلى السّماء قائلاً:
ـ « اليوم برز الإيمان كلُّه، إلى الشَّرك كلَّه! .. »؛ إنّه الايمان متجلّياً بعليّ عليه السلام يتصدّى للشّرك متجلّياً بعمرو بن عبد ود العامريّ، وما هي إلاّ جولة، حتّى يخرّ عمرو بن عبد ود كالطّود صريعاً، وعليُّ جاثم على صدره يحتزّ عنقه، ويثور غبار ثمّ ينجلي عن علي عليه السلام متّجهاً الى اصحابه، تاركا وراءه
عمرَو بن عبد ودّ جسداً بلا رأس!
فيكبّر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ويكبّر المسلمون .. ويفرك المشركون اعينهم، وكأنهم في حلم لا يصدّقون ما يشاهدون، وتهبّ على المشركين ريح عاصفة تقتلع خيامهم، ولايقف بوجهها شيء .. فينهزمون.
وردّ الله الّذين كفروا بغيظِهم لم ينالوا خيراً، وكفى اللهُ المؤمنينَ القتالَ وكان الله قويّاً عزيزا
أجل! .. كفى الله المؤمنين القتال بضربة سيفٍ مِن عليٍّ أطاحت بخصمه فتهاوى أرضاً، إنّها ضربه سيف واحدة!! ولكنّها:
« تعدل عمل الثقلين ( أي: الإنس والجنّ ) إلى يوم القيامة » كما صرّح بذلك الرسول في حينه.
وقال المسلمون لسلمان وقد نجحت خطّته: جزاك الله يا سلمان، بما أشَرْتَ علينا، خيرَ الجزاء ».
ولم يتخلّف سلمان بعد ذلك عن موقعةٍ من المواقع، بل أبلى فيها كلَّها بلاءً حسناً:
ففي غزوة « بني قريظة » كان سلمان من الباقين، ويوم « بيعة الرّضوان » كان سلمان في طليعة المبايعين، وفي غزوة « خيبر » كان سلمان أوّلَ المقاتلين، ويوم « فتح مكّة » كان سلمان مع القائمين، ويوم « حُنَين » كان سلمان مع القلّة الثابتين، ويوم « تبوك » خرج سلمان ولم يتخلّف مع المتخلفّين...
فلا عجب أن يقول الرسول صلّى الله عليه وآله فيه وفى صاحبيه: « انّ الجنّة لتشتاق إلى ثلاثة: عليٍّ و عمّار و سلمان ».
ويلتحق الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بالملأ الأعلى، فيحزن سلمان لذلك حزناً شديداً، وإنّ قلبه ليكاد يبكي ممّا يجد مِن فَقْد الرّسول صلّى الله عليه وآله، فيأبى سلمان مبايعة أبى بكر، و يمرّ الإمام علي عليه السّلام ويقول له:
ـ يا أبا عبدالله، بايع، بايع! ...
فينزل على رأي سيّده ومولاه عليّ، فيبايع، ولا يفارق سلمان عليّاً، فقد وضع نفسه تحت تصرّف الامام. وكان فى طليعة الثلاثة الّذين أتَوه محلّقي الرؤوس مبايعين على الهدى، أوّلاً وثانياً وثالثاً، مع صاحبَيه: المقداد وأبي ذرّ رضي الله عنهم جميعاً!.
فقال فيه، وفي صحبه الإمامُ عليّ عليه السّلام: ضاقت الأرض بسبعة بهم تُرزَقون، وبهم تُنصَرون، وبهم تُمطَرون، منهم: سلمان الفارسيّ، والمِقداد، وأبو ذرّ، وعمّار، وحُذَيفة، وأنا أمامهم! ...
وعندما يُسأل الإمام عليُّ عليه السّلام عن سلمان يوماً، يقول فيه: « امرؤ منّا أهلَ البيت، مَن لكم بمِثْل لقمان الحكيم؟! عَلِمَ العلمَ الاوّل، والعلمَ الآخِر، وقرأ الكتاب الأوّل والكتاب الآخِر، وكان بحرا لا ينزِف ( أي: لا ينقص ). ».
ويضيق صدر سلمان رضي الله عنه بما يلقى، ولكنّه لا يجد مِن أمامه عليّ عليه السّلام إلاّ الصّبر، فيصبر، فإلى الله المُشتكى!
وعندما تدعوه الحاجة الى الكلام، يقف بين النّاس خطيباً.. ولنستمعْ منه الى العجب العجاب:
ـ « أيّها النّاس! ألا إنّ لكم منايا، تَتَبعُها بلايا، فإنّ عند عليٍّ علمَ المنايا، وعلم الوصايا، وفصلَ الخطاب! على منهاج هارون بن عمران، قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى. فإذا رأيتم أيّها النّاس الفتنَ كقِطَع الليل المظلم يهلك فيها الراكب المُوضِع ( أي: المُسرع )، والخطيبُ المُصْقِع ( البليغ )، والرأس المتبوع، فعليكم بآلِ محمّد؛ فإنهم القادة الى الجنّة والدّعاة اليها يوم القيامة، وعليكم بعليّ، فوالله، لقد سلّمنا عليه بالولاء مع نبيّنا، فأين يُذهَب بكم؟! وَيْحَكم! .. والله ماأدري: أتجهلون أم تتجاهلون؟ أم نسيتم أم تتناسَون؟ .. أنزِلوا آلَ محمّد منكم منزلة الرأس من الجسد، بل منزلةَ العينَين من الرأس! ».
ولكنّ القوم كانوا عن ذلك لاهين، وقد أسرَتْهم حبائل الدنيا، وغواية زخرفها، والأباطيل! ...
وتكون « موقعة القادسيّة »، فكان الى جانب قائد الحملة سعدِ بن أبي وقّاص، يحث المسلمين على القتال والجهاد، كما كان الى جانبه، يخوضان على جواديهما أمام المسلمين النهرَ، الى مدائن كسرى! ...
وحاصر المسلمون « الإيوان » فاستسلم مَن فيه على أن يدفعوا الجِزْية، وكان سلمان ترجماناً بين المسلمين وقومه، من قديم! ..
ونظراً لفساد جوّ المدائن، يُكلَّف سلمان وحذيفة بارتياد المناطق لاختيار مكان يلائم طبيعة المسلمين. ويبلغ سلمان أرض الكوفة، فيعجبه مناخها، كما يعجب صاحبَه فيرضيان بها للمسلمين مكاناً، ويصلّيان فيها ركعات.
واطمانّ سلمان بالكوفة أياماً، عاد بعدها الى المدينة لإتمام دِينه، وإكمال الشّطر الثاني من اسلامه بالزّواج.
فخطب امرأة من « كِنْدة »، وتزوّجها، ثم عاد الى المدائن، فِلبلاد فارس فى نفسه حنين قديم وهوى جامع.
وماهي إلاّ ايام، حتى أتاه كتاب عمر بن الخطّاب يولّيه المدائن. يقول سلمان في نفسه، وهو يحمد الله :
ـ سبحانك اللّهم! أين اليوم من أمس؟!
وكان عطاء سلمان ( أي: راتبه ) يومذاك خمسة آلاف درهم، وكان يفرّقها كلّها على الفقراء، لا يستبقي منها إلاّ درهماً واحداً يشتري به خُوصاً، يصنعه و يبيعه بثلاثة دراهم، ينفق منها درهماً على أهل بيته، ويتصدّق بدرهم، ويُبقي درهماً لشراء خوص يصنعه في اليوم التالي، وهو يقول:
ـ إنّي أُحبّ أن آكلَ من كدّ يدي.
ويُنادى بعثمان خليفة ! فيعزل سلمانَ عن إمرة المدائن، ممّا يتيح لسلمان فرصة العودة الى المدينة مثوى حبيبه محمّد صلّى الله عليه وآله، وفيها تُتاح له فرصة الجهاد، فينطلق في عزوة ( بلنجرد ) ـ احدى مدن الخزر في تركيا ـ يجاهد، ويبلو فيها بلاء حسَناً.
ويُصاب الصّحابيّ الجليل سلمان بمرض يقعده الفراش، فيتوافد عليه العوّاد ( الزوّار )، إنّ صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يجود بنفسه ( أي: يحتضر ).
ويسأل أحدُهم صاحبه: كم عاش سلمان؟.
فيجيبه: الله اعلم بذلك، ولكنّه عاش مئتينِ وخمسين سنة على أقل تقدير.
وفي صباح يوم ينادي سلمانُ زوجتَه:
ـ « أي فلانة، هاتي ليَ الصرّةَ الفلانيّة في موضع كذا ». وتُناوله زوجتُه صرّةً يفوح منها ريح اطيب من المسك والعنبر.
ويلتفت سلمان رضي الله عنه إلى أحد زائريه قائلاً له: « قال لى رسول الله صلّى الله عليه وآله: إذا حضرك ـ أو أخَذَك ـ الموت، حضر أقوام يجدون الرّيح ولا يأكلون الطّعام » ثمّ أخرج الصرّة وقال : هِيَه! أعطانِيها رسول الله صلّى الله عليه وآله.
ثم بلّها، ونضحها ( أي: رشّها ) حوله، وأمر امرأتَه بفتح الباب، ففعلت! ...
ولمّا عادت وجدَتْه قد مات! ..

* * *

واليوم.. عندما يغدو السوّاح لزيارة ما تبقّى من آثار المدائن، يجدون قريباً من الإيوان ضريحاً عليه بناء، يُعرَف باسم مقام « سيدي سلمان پاك ».
و « پاك » كلمة فارسيّة، معناها « الطاهر ». إنّه ضريح صاحب رسول الله، و أحد حواريّيه سلمان ! ..
وحول الضريح تناثرت منازل وبيوت!