المقداد بن الأسود

انه المِقداد بن عمرو، المعروف بابن الأسود الكنديّ.
كنيته أبو عمرو، وقيل: أبو معبد، ولقبه ( البهرانيّ ) نسبةً الى قبيلة ( بهراء ) التي كانت تعيش في ارض قريبة من اليمن، اسمها حضرموت، ولذالك لُقّب بالحضرميّ أيضاً.
يشدّ الفتى المِقداد رحاله إلى مكّة، وفيها يتّصل « بالأسود بن عبد يغوث الزهريّ »، فينزل عنده آمناً مطمئنّاً.
وتمضي أيام، واسابيع.. ويُعجب « الأسود » بفتاه إعجاباً شديداً، ويرى في المقداد فتى عالي الهمّة، متّقد الذهن، سريع الخاطر، ترتسم على مُحيّاه الصارم علائم النّجابة والفطنة، والعزيمة التى لا تلين، والارادة الصلبة التي لا تنثني، وتلتمع عيناه السّوداوان ببريق أخّاذ، ممّا ينبئ بمستقبل له عظيم ..
فيتبنّاه، ويعرفه الناس منذئذ بالمقداد بن الاسود، و هذا شيء طبيعي جداً حينذاك. ويشبّ الفتى، ويبلغ السادسة والعشرين من سنينه، إنّه في عنفوان الشّباب، وفي قمّة العطاء.
وفي هذا الوقت يعلن النبيُّ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم دعوته للناس، وينتشر الاسلام ديناً جديداً على كلّ شفه ولسان، ويصبح حديثَ مكّة وما حولها من القرى. ويسارع المقداد إلى إعلان إسلامه، وقد وجد في الدين الحنيف ضالّته المنشودة.
وهكذا كان المقداد احد السّبعة الذين كانوا أوّلَ مَن أظهر الاسلام ونصروه، فانتصر بهم.
وكان لابدّ للمقداد أن يلاقي الكثير من أذى قريش وتنكيلها، واضطهادها. فتحمّل الأذى، وصبر على العذاب، وله في النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أُسوةُ حسنة، وله في الكثير من الصّحابة الكرام المضطهدين جميل العزاء.
وكان لا يزداد على الأذى والعذاب إلاّ صلابةً في العقيدة وإيماناً راسخاً على المبدأ، كالذّهب، تصهره النّار، فيزداد صفاءً ونقاء.
ويأتي أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، بالهجرة إلى الجشة، فيهاجر المقداد اليها مع الدّفعة الثانية من المهاجرين، ويبقى فيها مدّة، يعود بعدها الى بلده الجديد الحبيب، مكة، متابعاً جهاده، وباذلاً جهوده في سبيل نصرة الدين الحنيف، بصمت، ودأب، وصبر، وعزيمة لا تلين.
ويشتدّ أذى قريش، ويلاقي المسلمون في مكّة أهوالاً، ويتحمّلون ما لا تتحمّله الجبال، ويصبرون ما وسعهم الصبر، وعندما يُحدق الخطر بهم جميعاً، فيخافون على دينهم، وعلى انفسهم، يهاجر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى يثرب ( المدينة المنوّرة )، ويأمر اصحابه القادرين بالهجرة اليها.
ويشاء الله أن يبقى المقداد في مكّة على أن يلتحق بصحبه في المدينة، ولكن في وقت آت! ..
ويتساءل المقداد: متى اللّحاق بالأحبّة، محمّد وصحبه؟! .. ويأتي الجواب: اصبر صبراً جميلاً، فعسى أن يكون ذلك قريباً أن شاء الله! .
ويتعاظم أمر الاسلام، وينتشر بسرعة كالنار في الهشيم، وترى قريش في ذلك خطراً متفاقماً يهدّد مصالحها وسيادتها، وعبادةَ أوثانها.
وينبري أبوجهل يحرّض قريشاً على التصدّي للخطر الدّاهم، الذي هو الاسلام. وتستجيب قريش للنداء، وتجهّز مئتَيْ مقاتل بقيادة عكرمة بن أبي جهل، ترسلهم باتّجاه المدينة للقضاء على الإسلام والمسلمين.
ويبلغ النبيَّ الخبر، فيهيّئ من رجاله ستّين مقاتلاً بقيادة أبي عبيدة بن الحارث، ويأمرهم بالتصدّي لجيش قريش. وفي اليوم الثاني يترآى الجيشان، وقُبَيل احتدام المعركة ينحاز المقداد وعتبة بن غزوان الى معسكر المسلمين، وكانا في جيش قريش ـ فيغضب عكرمة بن أبي جهل لذلك غضباً شديداً .. ويتراشق الفريقان بالنّبل، وتدور معركة قصيرة بين الفئتين، يولّي المشركون على أثرها الأدبار، هاربين.
ويفرح المسلمون بانتصارهم فرحاً شديداً، ويتضاعف فرحهم بعودة المقداد وصاحبه اليهم في الوقت المناسب، ويعودون الى المدينة تسبقهم إليها البشائر بالنّصر، وعودةِ المقداد! ...
وفي المدينة المنوّرة يحفّ المقداد وكرام الصحابة بالرسول الأعظم، ويناديه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بالمقداد بن عمرو، بعد نزول آية:
أُدْعوهُم لآبائِهم هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ الله
فأبوه مَن وَلَده، لا مَن تبنّاه، والانتساب بالتالي اليه. ويصبح المقداد مع زمرة يسيرة من الصحابة، من خاصّة المقرّبين إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وصحابياً جليلاً يُشار اليه بالبَنان! ..
وتتسامى شخصية المقداد رضوان الله عليه وقد أثّر فيها الدين الحنيف أثرَه البالغ، وطبعها بطابع إيمانيٍّ عذب رقيق، فهي متوجّهة إلى المولى عزّوجلّ بكلّ شؤونها .. ترضى لرضاه، وتغضب لغضبه، وتستسلم لمشيئته. ولذلك ـ وهذا امر طبيعيّ ـ نراه في طليعة المبادرين الى نصرة الدين، والدفاع عن رسول صلّى الله عليه وآله، فاذا ما ثارت حرب كان في طليعة فرسانها.
وها هو ذا في معركه بدر الكبرى يخوضها، مسجّلاً مع إخوانه الأبطال المؤمنين أوّلَ انتصار حاسم للاسلام والمسلمين. وتَذْكر الروايات بأنّه أوّل مَن قاتل على فرس في سبيل الله تعالى.. وقد دعاها بالسّابحة، لسرعة عَدْوها واصالتها.
وقبل أن تبدأ المعركة هذه، ينظر المسلمون الى الاعداد والعداد الزاحفة اليهم من قريش، وتتّضح لهم خطورة هذه المعركة، فالفرق شاسع وكبير بين جيش المسلمين القليلي العَدد والعُدّة، وجيش المشركين الذي يبلغ قرابة الألف، بينهم مائة فارس، ومئات الإبل تحمل العدّة والمؤونة والمسعفات والمسعفين. ويستطلع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم رأيَ أصحابه: ماذا تَرَون؟ ..
ويجيب أحدهم مقترحاً العودة والانسحاب، فالمعركة في رأيه انتحارية.
ويتبعه بهذا الرأي آخر، فالمعركة غير متكافئة، والنصر فيها شبه مستحيل.
وسرعان ما تنقشع هذه السحابة العابرة من التوهّم، وقد انبرى المقداد قائلاً بصوت هادر بالايمان واليقين:
« يا رسول الله، إمضِ لما أراك اللهُ فنحن معك، واللهِ لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى فَاذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إنّا هَاهُنا قَاعِدُونَ ولكن:
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا أنا معكما مقاتِلون.
فَوَالذي بعثك بالحق، لو سِرتَ بنا الى « بَرْكِ الغمِاد » ( موضع بناحية اليمن ) لَجالَدْنا ( قاتلنا ) معك من دونه حتّى تبلغَه! ... »
ويُشرق وجه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو يستمع الى هذا القول الصادق، فيدعو للمقداد بالخير! ...
ويكون لهذا القول تأثيره العميق في نفوس سامعيه.. وتنجلي المعركة عن نصر كبير حاسم يحرزه المسلمون.. وانهزم المشركون وهم يجرّون وراءهم أذيال الخيبة والذّل والعار.
ولكن، هل تسكت قريش عن هذه الهزيمة النّكراء ؟!
لا.. لن يطول سكوت قريش، وها هي ذي تُعدّ الُعدّة من جديد، لتنتقم لقتلاها في معركة بدر، وقد فقدت فيها الكثير من ابطالها وخيرة فرسانها.. وتكون « معركة أُحُد ».
ويعبّئ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم جيشه للقتال، ويرصّ الصّفوف، واضعاً المقداد رضوان الله عليه على رأس مَيْسرة الجيش.
وتنتهي المعركة هذه بما يشبه البلبلة فى صفوف المسلمين، وقد كرّ عليهم « خالد بن الوليد » من ورائهم .. وكان حينئذ على رأس جيش المشركين، فينهزم المسلمون، ويثبت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ويثبت معه بضعة عشر رجلاً يحوطونه بسيوفهم واجسادهم، أحاطةَ السّوار بالمعصم، وَيقُونه بأنفسهم.
وكان المقداد رضوان الله عليه في مقدّمة هؤلاء الابطال الثّابتين الصّادقين، في موقف عصيب قلّ فيه الناصر، ويتنادى المسلمون للعودة الى ساحة المعركة، فالرسول وصحبه يخوضون غمارها، فيعودون، ولكني بعد أن كادت أن تضع الحرب أوزارها وبعد فوات الأوان! ..
وتمضي الأيّام، وتكرّ الأعوام.. والمقداد يزداد من النبيّ قُرباً، فيزداد النبيُّ له حبّاً، فيقول صلّى الله عليه وآله وسلّم:
« أنّ الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنّه يُحبّهم:
عليّ والمقداد وأبي ذرّ وسلمان ».
وفي مناسبة ثانية يقول فيه: « مِقداد منّا .. ».
ويؤاخي الرسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم بينه وبين « جبر بن عتيك »،
إنّما المؤمنونَ إخوة . ويلتحق صلوات الله عليه وآله بالملأ الأعلى، وهو عن هؤلاء راضٍ كلَّ الرضى.
ويكون ما كان بعد ذلك:
حيث تبرز المطامع، وتثور الأحقاد، ويُحال بين الإمام عليّ عليه السّلام والخلافة، فيسكت على مضض « وفي العين قذىً وفي الحَلْق شجى » ـ كما يقول عليه السّلام ـ وينفضّ الناس عنه، وهو مَن هو عِلماً وتقوى وشجاعة وقُربى من الرسول .. فيصبر، كما أوصاه الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وعهد اليه .. ويلتفت حواليه، فأين الصحاب؟!
ويجتمع حواليه نفر قليل، لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة.. وفي طليعتهم هؤلاء الثلاثة الذين أحبّهم الله و أمر رسولَه بحبّهم: المقداد، وأبو ذرّ، وسلمان! ..
ويدور هؤلاء الثلاثة في فلك الإمام عليّ عليه السّلام، فهو من الحق كالقطب من الرحى، وهم أتْباع الحق يطلبونه أنّى كان، ويدورون معه كيفما دار! ...
أمّا بالنسبة للمقداد خاصةً فهو ينفرد عن صاحَبيه بالتسليم لما قضى الله وأراد في شأن الإمام عليّ عليه السّلام، وابتلائه العظيم.
تطالعنا بعض الروايات، حول هذا الموضوع بالذات، بأنّ الحيرة تطرّقت الى قلب سلمان الفارسيّ وهو يرى الإمامَ عليه السّلام يُقيَّد بحمائل سيفه ويُؤتى به الى المسجد مغلوباً على أمره. فقال سلمان ساعتئذ في نفسه:
إننّا نعهد علياً يعرف اسم الله الأعظم، الذي أن دعا به على الجبال اندكّت، أو على الأرض ساخت بأهلها، وها هو ذا يُقاد عاجزاً لا حول له ولا طَول، فهل عجزتَ يا أبا الحسن؟! أوَ لا دعوتَ على هؤلاء القوم فتطبق عليهم الارض ويُريدُ اللهُ أن يُحقَّ الحقَّ بِكَلماتِهِ، وَيقطعَ دابِرَ الكافرين ..
أمّا ابوذر الغِفاريّ رضوان الله عليه، فكان يحزن حزناً شديداً أمام هول ما يرى وما يحلّ بالامام العظيم، وكان لا يصدّق عينَيه بما تشاهدان، فلا يتمالك نفسه، ولا يجد تفسيراً لما يرى ويسمع، فيأمره الإمام عليه السّلام بالصّبر، فالعاقبة للمتّقين.
وأمّا المِقداد رضوان الله عليه فكان أشدَّ تسليماً لله صبحانه، وهو يرى إمامَه وإمام المسلمين يُفعَل به ما يُفعل، وهو صابر محتسب، فـ للهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ، وله الخِيَرة، وهو الفعّال لما يريد.
وضمن هذا الاطار قال الإمام الباقرعليه السّلام لأبي بكر الحضرميّ:
« إن أردتَ أن تعرف شخصاً لم يتطرّق الشّكُّ إلى قلبه ولم يدخل فيه، فاعلم أنّه المِقداد! »
إنِ الحُكمُ إلاّ حُكمك، لك الأمر في الدنيا وفي الآخرة وإليك المصير! ...
وهكذا كان المقداد أقربَ الصاحبة إلى أمير المؤمنين عليٍّ عليه السّلام، وأشدَّهم به تمسّكاً ووثوقاً وايماناً.
لم يشكّ في إمامة عليٍّ اميرالمؤمنين عليه السّلام، أوأحقّيته بالخلافة، طرفةَ عين، فما زاغ قلبه أمام جبروت الظالمين وسلطانهم، لا تأخذه في الله لومة لائم. ولطالما كان يتمنطق بسيفه، ويأتي إلى امير المؤمنين عليه السّلام واضعاً نفسه في خدمته، وتحت تصرّفه.
وتقرّ نفس الإمام عليه السّلام بهؤلاء الخُلّص من الصّحب والأعوان .. بهؤلاء الحواريّين، والمقداد في طليعتهم، لا يرضَون عن الحقّ بديلاً !
وهو عليه السّلام لم ينس للمقداد موقفه حين قال: « واللهِ لو اجتمع معي اصحاب ينصرون، لقاتلت اليوم أعداءَ عليٍّ كما قاتلتُ يوم بدر وأُحُد ».
كان المقداد أحَدَ حَواريّيي أمير المؤمنين الأُوَل!
له بين الصاحبة المنزلة الرفيعة، والدرجة العالية.
وله فى نفوس أهل البيت ومحبيهم، المقامُ الرفيع.
وقد أجمعت الروايات عن أهل البيت عليهم السّلام، وَرَثةِ الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وخَزَنةِ علمه، وأمناءِ وَحْيه، بأنّ المقداد رضوان الله عليه سيظهر مع الإمام المهديّ نصيراً، كما سيظهر وإيّاه: سلمان الفارسيّ، وأبو دُجانة الأنصارىّ، ومالك الأشتر، ورهطٌ من قوم موسى عليه السّلام .. وفي هذا كرامة ما بعدها كرامة.
ويذكر التاريخ بأنّ المقداد ظلّ وفياً لنبيّه ولإمامه حتى الرمق الأخير، وتوديعِه الحياةَ الدنيا هذه وقد ناهز السبعين من عمره، الى جنّة الخلد ونعيمٍ لا يَفنى ! ...