أويس القَرْنيّ

أويس القَرْنيّ!... مِن خير الزّهّاد!...
ُولد في مدينة (قَرْن) إحدى مدن اليمن ، ولذلكک لقَّب بالقرنيّ.
وقيل : إن سبب لقبه بالقرنيّ ، عائد إلى قومه القُدامى (بني قَرَن).
ومهما يكن من أمرٍ ، فأويس أحد النّسّاكک والعبّاد المقدَّمين ، ومن سادات التابعين.
دخل الإسلام مع غيره من النّاس الذين دخلوا دين الله أفواجاً.
وکكانت رعاية الإبل مهنَته ... وهكذا کكان يُمضي أيّامه في القفار ، خلف الإبل ، ينتجع الكلأ و المرعى. و کكان يعيش مع والدته التي كان يكرمها غاية الإکكرام ، ويحترمها احتراماً عجيباً، فلم يفارقها في آخر أيّامها ، إلا للضّرورة القصوى.
ولعلّ انصرافه إلى القيام بواجبه تجاهها ، کكان الحائلَ بينه و بين لقاء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم . وعندما استأذنها في السّفر للقاء النبيّ صلي الله عليه و آله وسلّم والسّلام عليه، أذنت له ، ولكن بشرطٍ هو العودة المباشرة، سواءً وجد الرسولَ صلّى الله عليه وآله وسلّم أم لم يجده.
وهكذا کكان!.
فقد تجهّز أويَس للسّفر لِلُقْيا الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم والسّلامِ عليه ، وقصَدَه في منزله، ولمّا لم يجده عاد أدراجه ، دون التَّمَكن من مشاهدته. و عندما عاد النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى منزله ، قال لأهل بيته بأنه يجد في البيت نوراً غريباً لا عهد له به، فمَن قَدِم في غيابه؟!
ويُقال له : أوُيس القَرنيّ!.
فيعرفون أنّه نور أُويسٍ بقيَ في المنزل بعد انصرافه منه.
كانت حياة أويسٍ رضي الله عنه مثالاً للبساطة، والزّهد في الدنيا ، والانصراف عن متاعها. وكان ذلكک في زمنٍ انهال فيه النّعيم على العرب و المسلمين انهيالاً. فخضعت لهم الدّنيا، ودانت لهم الأقطار، فتنعّموا بأطايب العيش وملذّات النّعيم!.
إنّه الزّهد و البساطة و التقشّف ، مقابلَ التّنعّم والجاه العريض والسّلطان!.
وأقسم مرّةً بأنّه لا يملك من حطام الدّنيا غير هذا الثّوب المرقّع الرّثّ الخشن ، الذي يرتديه.
وعندما کكان يأخذ بالكلام واعظاً ، كان ينبعث کكلامه کكالنّهر الرَّقراق الصَّافي، بعفويَّةٍ وإيمان، فيدخُلُ قلوبَ سامعيه بلا استئذان، فتخشع قلوبهم وجوارحهم ، و تفيض عيونهم بالدّمع، وقد أخذ منهم التّأثّر بما يسمعون، فسيطر عليهم الخشوع، فيسمو بهم أُويس إلى عالمٍ روحانّيٍ تغمره الشفّافيّة و الصّفاء!.
لم يكن أويس صحابياً؛ لأنّه لم يلتقِ ـ كما علمنا ـ بالرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ولم يصاحبه، ولكنّه كان تابعياً، بل على رأس التّابعين.
والتّابعيّ، يلي الصحابيّ ، إنّه الذي أدركک الصّحابة الكرام وأخذ عنهم.
وأويس القرني كان من أفضل الزّهاد التابعين، بشهادة الجميع.
كيف لا،.. وقد قال النبىّ صلّى الله عليه وآله و سلّم :« خيرُ التّابعين أُوَيس ».
كما قال في کكرامته عند الله :« أبشِروا برجلٍ من أمتي يقال له أُويس القرني .. فإنّه يشفع لمِثْل ربيعةَ ومُضر!».
والتفت الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى عمر بن الخطّاب الذي کكان حاضراً يِستمع ، وقال له: « إن أدركتَه فأقرِئْه مني السّلام! ».
وعملاً بهذه الوصيّة الشّريفة، طلب عمر بن الخطّاب أويساً القرنّي في الكوفة فما وجده.. ثم عاد وطلبه في موسم الحج ، إذ وقف عمر بين جموع الحجيج صارخاً بأعلى صوته:
ـ يا آل نجدٍ ، قوموا !..
فنهضوا.. فسألهم: هل بينكم أحد من قَرْن ؟
فأجابوا: نعم.
فأرسل إليهم عمر وسأَلهم عن أويس ، فقالوا له:
ـ إنه إنسان مجنون ، يهوى العيش في القفر و الأماكن الموحشة ، يبكي عندما يضحك النّاس و يضحكک عندما يبكون.
فقال لهم : وَدَدتُ لو رأيته.
فأجابوه قائلين: إنه في الصحراء با لقرب من مرعى إبلِنا.
فينهش عمر بن الخطّاب بصُحبة الإمام علّيٍ عليه السلام ، يطلبان أويساً.. فوجدا بعد حين رجلاً يصلّي وقد لفَحَت وجهه أشعة الشّمس فصار شديد السُّمرة ، ليس بالطّويل ولا القصير، کكثّ الشّعر.
وقيل لهما: إنه أُويس.
وانتظراه حتّى انتهى من صلاته.
فأقبلا عليه مسلّمين عليه..
وعرّفهما بنفسه ، وأراهما علامةً في جنبه الأيسر ، بقعةً بيضاء كالدرهم ، وثانيةً في راحة يده ، بقعةً تُشبه البرص.
أقرآه سلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وعاد حجيج (قَرْن) إلى بلدهم في اليمن ، وقد عرفوا من أمر أويسٍ الكثير الذي کكانوا يجتهلون!.
لقد کكان أويس بينهم شخصاً مغموراً ، بل موضوعاً للسّخرية منه.
إنه مجنون!.. أمّا الآن ، فلا .. إنّه من أولياء الله الصّالحين. فيُقدّرونه ، ويحترمونه ويرى أويسٌ منهم ذلكک، فيهرب إلى الكوفة.
ونعود أدراجنا بضع سطورٍ خلت ، لِنُمعِن النّظر و التأمّل في شخصيّة أويس، كما يراه أهل بلدته ، وانطلاقاً من وصفهم له فَتَراه:
إنساناً منسلخاً عن النّاس ، لا يشارکكهم حياتَهمُ الدّنيا ، وقد جُنّ في الله حبّاً ، وذاب إليه شوقاً. فهام على وجهه في الآفاق ، وفي الأرض القَفْر ، حيث لا بَشَرٌ ولا عمران ، وبالتّالي ، فلا حرص ولا أطماع!..
ويَعجب أويس من هؤلاء النّاس ، قِصارِ النّظر، ضعيفي الإيمان:
فهولاء جماعةٌ منهم يبكون ، وقد فقدوا عزيزاً لهم وحبيباً ، ويقول أويس في نفسه : تُرى ، ألَمْ يَسمع هؤلاء بقوله تعالى: إنّ إلى ربَّكَ الرّجُعى . وبقوله: كُلُّ نَفْسٍ ذائقةُ المَوْت . فيضحك من جهلهم.
وهؤلاء جماعة ثانية رکكنوا إلى الدّنيا و غرورِها ، فخَدَعهم باطلها ، وأصبحوا أسرى شِراکكِها وحبائلها ، فضَحِكوا کكثيراً، ناسين أو متناسين أنّهم في دارِغرورٍ وزوال، نعيمُها مُنغَّض وزائل، وصَفْوُها مَحال.
فيبكي لهم ، و عليهم ، ويشفق عليهم ممّا يجدون!..
يذكر الرُّواة لقاءً تمَّ بين أُويسٍ القرني وهَرم بن حيَّان ـ من الطبقة الأولى من زهَّاد عصره ـ والملفت للنَّظر، أنَّ الله تباركک و تعالى لم يَقضِ بهذا اللقاء إلاّ بعد جهودٍ مُضْنيةٍ قام بها هرم بن حيّان.
يقولون ، بأنّ هرم بن حيّان قصد مدينة قرنٍ باليمن للقاء أويسٍ. ولمّا وصل وَجَده قد غادرها واشتدّ الأسى بهرم بن حيّان، حتّى كاد صدره ينفجر، ووَجَد مرارةً طعمُها کكالعلقم!.. لقد أمضى أسابيعَ طوالاً مهاجراً ، من أجل هذا اللقاء..
ورجع هرم إلى مَكَّة يطلبه فيها، فلعل أُوَيساً يجاور حَرَم الله..
وفي مكَّة ، قيل له: إنّ أويساً قد يمّم وجهَه شَطْرَ الكوفة.
ويبلع هرم ريقه، فلا يستطيع ، لقد جفّ حَلْقُه ، وملّ من كثرة السّفر ، فقعد يستريح. ولا تطول استراحة هرمٍ. وها هو يستعدّ للسّفر إلى الكوفة ، فلن يَثنيه عن عزمه مانع ، أو يحول دون تنفيذ رغبته حائل!..
ويصل الرّجل الكوفة بعد مَشقّات ، يطلب أويساً فيها. إنّه ضالّته المنشودة، فلا يجده ، وکكأنّ الأرض قد انشقّت و ابتلعته ، وظلّ هذا الحال مدّةً ، وهو في أشدّ العذاب. وأخيراً ، يغادر هرم الكوفة إلى البصرة ، فلعلّ وعسى ..
وفي الطريق، يشاهد هرم رجلاً يتوضّأ على شاطئ الفرات، ثمّ أخذ يمشّط لحيته.
فلمّا اقترب هرم منه ، حيّاه ، فردّ عليه الرّجل:
ـ وعليك السلام، ورحمة الله وبركاته ، يا هرم بن حيّان!..
ويصيح هرم: وکكيف عَرَفَت بأنني هرم؟!..
فيجيبه : إن روحي هيَ التي عرفت روحكک ، فالأرواح جُنْد مجنَّدة. ما تعارف منها ائتلف ، وما تنافر منها اختلف ـ كما يقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.
ويعرف هرم بأنّه وقع على ضالّته المنشودة ، وقد لقيَ صاحبَه بعد عناءٍ شديدٍ ، وصبرٍ طويل.. فيُلقي بنفسه عليه مسلّماً، وکكأنّه قد وقع على كنزٍ ثمين!.
ويطلب هرم من صاحبه أن يَعِظه.
فيبادر أويس: والله ، إنّ خير الكلام وأصدقه وأحكَمَه ، هو کكلام الله. ثمّ تلا ( من سورة الدّخان ):
بِسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ . وَمَا خَلَقنَا السَّماواتِ والأرضَ وَمَا بينَهُمَا لاَعِبين * مَا خَلَقنَاهُمَا إلاَّ بِالحَقِّ ولكِنَّ أكثَرَهُم لاَ ََيَعلَمُون * إنَّ يَومَ الفَصلِ مِيقَاتُهُم أجمَعِين َ* يَومَ لاَ يُغنِي مَولىً عَن مولىً شيئاً وَلاَ هُم يُنصَرونَ * إلاَّ مَن رَحِمَ اللهُ إنّهُ هُوَ العزيزُ الرّحيم .
ثمّ شهق أويس شهقةً ، قال عنها هرم : لقد خِلتُ واللهِ أنّ فيها نَفْسَه ( أي : حَسِبتُ أنّه مات ).
وأفاق بعد قليل، وأجال عينَيه في هرم، و أخذ ينصحه و يعظه:
« إنّ موعظةً ، تنطق بها هذه الآيات الشّريفة ، لَجديرٌ بالنّاس أن يترکكوا من أجلها الدّنيا وما فيها »..
ويذكر أويسٌ رسولَ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وهو أشرف الخلق أجمعين ، وقد التحق بعالم الملكوت الأعلى ، ومن قَبلِه خليلُ الله إبراهيم عليه السلام ، وقبلَهما أبو البشر آدم عليه السلام.
فالدّنيا ممرّ لا مقرّ، ودارُ زوالٍ وفناء، إلى دار خُلْدٍ وبقاء، فلا کوكونَ إليها، ولا وثوق بها، ولا اغترار!... ويوصيه باتّباع الجماعة.. فيدُ الله مع الجماعة ، ثمّ يردف متابعاً:
« إجعل الموتَ نُصْبَ عينَيك ، ولا تنظُرنّ إلى صِغَر المعصية ، بل إلى عظمةِ مَن عصيتَه! ».
وهكذا كان أويس القرنيّ مثالاً فريداً للزهد والقناعة، في زمنٍ قلّ فيه الزّاهدون، وكثر فيه الطّامعون. ومناضلاً سلبياً ، يفعل دون تبجّح، بل دون كلام ، فمَن طلب الله هان عليه النّاس جميعاً، إنّه مثال قائم بذاته!... فتذکكَّروا يا أُولي الأباب!( أي: ذوي العقول ).
ولكنّ أويساً رضي الله عنه ، توّج هذه المواقف الفرديّة، والمجاهدات الذاتيّة، بموقفٍ إيجابي رائعٍ حاسمٍ وقد بان له الحقّ كالشّمس السّاطعة لا تَخفى على ذي عينَين!..
فما أن اندلعت موقعة صفّين، حتّى أسرع أويس إلى الحقّ، متجلّياً بالإمام عليّ عليه السلام وأتْباعه، ينصره، لا بقلبه ولسانه فحسب، بل بيده أيضاً، وبكلّ ما آتاه الله من قوّة.
ولنتأمّل هذا الموقفَ البطولي الشجاع، يرويه أحد أصحاب الإمام عليه السلام المقرّبين: عن الأصبغ بن نباتة، قال:
ک« كنّا مع عليّ عليه السلام بصفّين، فبايعه تسعةٌ وتسعون رجلاً.
ثمّ قال: إين تمام المائة ؟ لقد عَهِد إليّ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، أن يبايعني في هذا اليوم مائةُ رجل إذ جاء رجل عليه قِباء صوفٍ ( يشبه المعطف )، متقلّداً بسيفين، فقال:
ـ أُبسط يدَك أبايعْك.
فقال الامام عليٌّ عليه السلام علامَ تُبايعني ؟
فقال على بذلِ مهجتي دونكک !
فبايعه.
وكرّ أويس القرني على جند الباطل، وحزب الشّيطان، يضرب فيهم بالسّيفين .. وقد تحوّل ذلك الزَّاهد، البسيط في حياته، إلى أسَدٍ هصورٍ يُحامي عن عرينه !..
لقد غضب لله ولرسوله، وللإسلام، فارتوت شَفُرتا سيفَيه من دماء الأعداء. وما زال يقاتل، رضوان الله عليه، بين يدَيِ الإمام ، حتى خرّ صريعاً شهيداً.
وهكذا توّج حياته الشّريفه بتاج السّعادة والشّهادة !..
وحمله أصحابه، والدماء تنزف من أربعين جرحاً، بجسمه الشّريف الطّاهر.
وتقدّم الإمام عليّ عليه السلام فصلي عليه، ولَحَده بيده الشّريفة، وترحّم عليه وقد خَنَقته العبرة.
وهكذا التحق سيد التّابعين، وأمير الزّهاد، وقدوة العُبّاد، أويس القرني، برَكْب الجهاد حتّى الشهادة وَفَضَّل اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدينَ أَجْرَاً عظِيماً .
صدق الله العليّ العظيم